الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
اختلف العلماء في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم لا فمن قائل أنها حيض في أيام الحيض ومن قائل لا تكون حيضا إلا بأثر الدم ومن قائل ليست حيضا وبه أقول وصل اعتباره في الباطن الكذب بشبهة ليس صاحبه ممن تعمد الكذب والأولى تركه إذا عرف أن ذلك شبهة فإنها ما سميت شبهة إلا لكونها تشبه الحق من وجه وتشبه الباطل من وجه فالأولى ترك مثل هذا إلا أن يقترن معها دفع مضرة أو حصول منفعة دينية أو دنياوية بخلاف الكذب المحض الذي هو لعينه وهذا لا يقع فيه عاقل أصلا وأما الكذب الذي هو بمنزلة دم الاستحاضة فيعتبر فيه صلاح الدين لصلاح الدنيا .
باب فيما يمنع دم الحيض في زمانه
اعلم أن الحيض في زمانه يمنع من الصلاة والصيام والوطء والطواف وصل اعتبار ذلك في الباطن الكذب في المناجاة وهو أن تكون في الصلاة بظاهرك وتكون مع غير الله في باطنك من محرم وغيره اعتباره في الصوم فالصوم هو الإمساك وأنت ما مسكت نفسك عن الكذب كالحائض لا تمسك عن الأكل والشرب وهو الكذب الواجب إتيانه شرعا وهو محمود واعتباره في الطواف بالبيت وهو المشبه بأفضل الأشكال وهو الدور فهو كذب إلى غير نهاية فهو الإصرار على الكذب واعتباره في الجماع أما الجماع فقصد المؤمن به كون الولد والمقدمات إذا كانت كاذبة خرجت النتيجة عن أصل فاسد وقد تصدق النتيجة وقد تكون مثل مقدماتها فالأذى يعود على فاعل الجماع يقول في زمان الكذب لا تحضر الله تعالى بخاطرك فإنه سوء أدب مع الله وقلة حياء منه وجراءة عليه وكيف ينبغي للعبد أن يجرأ على سيده ولا يستحي منه مع علمه وتحققه أنه يراه قال تعالى ألم يعلم بأن الله يرى .
باب في مباشرة الحائض
اختلف العلماء في صورة مباشرة الحائض فقال قوم يستباح من الحائض ما فوق الإزار وقال قوم لا يجتنب من الحائض إلا موضع الدم خاصة وبه أقول وصل اعتباره في الباطن قلنا أن الحيض كذب النفوس قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيزني المؤمن قال نعم قيل أيشرب المؤمن قال نعم قيل أيسرق المؤمن قال نعم قيل له أيكذب المؤمن قال لا فإذا رأت نفسك نفسا أخرى تفعل ما لا ينبغي فأكد أن تجتنب من أفعالها الكذب على الله وعلى رسوله والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ومن عود نفسه الكذب على الناس يستدرجه الطبع حتى يكذب على الله فإن الطبع يسرقه يقول تعالى ' ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فتوعد عباده أشد الوعيد إذا هم افتروا على الله الكذب وهذا الحكم سار في كل من كذب على الله وقد ورد فيمن يكذب في حلمه أنه يكلف أن يعقدد بين شعيرتين من نار لمناسبة ما جاء به من تأليف ما لا يصح ائتلافه فلم يأتلف في نفس الأمر وكذلك لا يقدر أن يعقد تلك الشعيرتين أبدا وهذا تكليف ما لا يطاق فما عذبه الله يوم القيامة إلا بفعله لا بغير ذلك .
باب وطء الحائض قبل الاغتسال وبعد الطهر المحقق
صفحة ٤٥٧