218

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

أما المسح على الخفين فاختلف علماء الشريعة فيه فمن قائل بجوازه على الإطلاق ومن قائل بمنع جوازه على الإطلاق كابن عباس ورواية عن مالك ومن قائل بجواز المسح عليهما في السفر دون الحضر وصل في حكم الباطن فيه فأما حكم الباطن في المسح علىالخفين فاعلم أنه أمر يعرض للشخص يشق على من عرض له انتزاعه كما يشق انتزاع الخف على لابسه فانتقل حكم الطهارة إليه فمسح عليه ولما كانت الطهارة تنزيها وكان الحق هو الذي يقصده المنزه بالتنزيه كما قال الملحدون فالحق منزه الذات لنفسه ما تنزه بتنزيه عبده إياه فتنزيه العلماء بالله الحق سبحانه إنما هو علم لا عمل إذ لو كان التنزيه من الحق الههم عملا لكان الله الذي هو المنزه سبحانه محلا لأثر هذا العمل فتفطن لهذه الإشارة فإنها في غاية اللطف والحسن فهو سبحانه لا يقبل تنزيه عباده من حيث أنهم عاملون فإنه لا يرى التنزيه عملا إلا الجاهل من العباد فإن العالم نراه علما وإذا تكلم به إنما تكلم به على جهة التعريف مما هو الأمر عليه في نفسه الذي هو قوله وذكره فأثر عمله إنما هو في علمه بتنزيه خالقه فأخرجه بالقول من القوة إلى الفعل فربما أثر ذلك في نفوس السامعين ممن كان لا يعتقد في الله أنه بذلك النعت من التنزيه فالعبد حجاب على الحق فإن ظاهر الآثار إنما تدرك في العموم وتنسب للأسباب التي وضعها الحق ولهذا يقول العبد فعلت وصنعت وصمت وصليت ويضيف إلى نفسه جميع أفعاله كلها لحجابه عن خالقها فيه ومنه ومجريها فكما صار الخف حجابا بين المتوضىء وبين إيصال الوضوء إلى الرجل انتقل حكم الطهارة إلى الخف كذلك تنزيه الإنسان خالقه وهو الطهارة والتقديس لما لم يتمكن في نفس الأمر إيصال أثر ذلك التنزيه العملي أثرا في المنزه وقبله الإنسان كما قبل الخف الطهارة بالمسح المشروع فيكون العبد هو الذي نزه نفسه عن الجهل الذي قام بنفس الجاهل الذي نسب إلى الحق ما لا يليق به ولا تقبله ذاته يقول الله في الخبر الصحيح أنه رجل العبد التي يسعى بها والحس إنما يبصر العبد يسعى برجله فلما لبس الخف وهو عين ذات العبد انتقل حكم الطهارة إليه إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمتعلق الحكم الخف ومن هذا الباب كان جواز المسح على الإطلاق سفرا أو حضرا فالحضر منه هو التنزيه الذي يعود عليك فتقول سبحاني في هذه الحالة كما نقل عن رجال الله فكان مشهد من قال سبحاني هذا المقام الذي ذكرناه والسفر هو التنزيه الذي ينتقل من تلفظك به في التعليم إلى سمع المتعلم السامع فيؤثر في نفس السامع حصول ذلك العلم فتطهر محله من الجهل الذي كان عليه في تلك المسئلة هذا القدر من انتقاله من العالم المعلم إلى المتعلم يسمى سفرا لأنه أسفر له بهذا التعليم بما هو الأمر عليه فطهر محله ومن هذا الباب أيضا أن لباس الخف وما في معناه من جرموق وجورب مما يلبس ويستر حد الوضوء من الرجل عرفا وعادة ولما كان من أسماء الرجل في اللسان القدم كان هذا مما يقوى القدمية في القدم إذ كان القدم يقال في اللسان بالإشتراك إذ هو عبارة عن الثبوت يقال لفلان في هذا الأمر سابقة قدم يريد أن له أساسا ثابتا قديما في هذا الأمر كما يقال في الرجل بالإشتراك أيضا أعني إطلاق هذه اللفظة في اللسان يقال رجل من جراد أي قطعة وجماعة من جراد فإذا قال قائل إن الرجل يسخن بالخف يعلم قطعا أنه يريد العضو الخاص المعروف فقرائن الأحوال ودلالات الألفاظ بالصفات تعين ما كان مبهما بالإشتراك فانتقل حكم الطهارة إلى الخف بعدما كان متعلقها الرجل ولكن إذا كان ملبوسا فيطهر مما يمكن أن يتعلق به مما يمنع من ذلك حكما وعينا وكذلك لما نسب القدم إلى الله تعالى في حديث يضع الجبار فيها قدمه ربما وقع في نفس بعض العقلاء أن نسبة القدم إلى الله تعالى ما هو على حد ما ينسب إلى الإنسان أو لكل ذي رجل وقدم وأن المراد به مثلا أمر آخر وغفلوا عن أقدام المتجسدين من الأرواح فأزال الله سبحانه هذا التوهم من القائل به بما ينسب إلى نفسه من الهرولة التي هي الإسراع في المشي مع تقدم وصف القدم فألحق بمن يمشي على رجلين لا بمن يمشي على البطن مع التحقيق بليس كمثله شيء لا بد من ذلك فلا نصفه ولا ننسب إليه إلا ما نسبه إلى نفسه أو وصف نفسه به فما نسب الهرولة إليه إلا ليعلم أنه أراد القدم الذي يقبل صفة السعي وحكمه على ما يليق بجلاله لأنه المجهول الذي لا يعرف ولا يقال هو النكرة التي لا تتعرف قال تعالى ولا يحيطون به علما وما نقول أراد بنسبة القدم ما عينته المنزهة على زعمها واقتصرت عليه فجاء بالهرولة لإثبات القدمية وأقامه مقام الخف للقدم في إزالة الإشتراك المتوهم فانتقل التنزيه إلى الهرولة من القدم وقد كان القائل بالتنزيه مشتغلا بتنزيه القدم فلما جاءت الهرولة انتقل التنزيه إليها كما انتقل حكم طهارة القدم إلى الخف فنزه العبد ربه عن الهرولة المعتادة في العرف وإنها على حسب ما يليق بجلاله سبحانه فإنه لا يقدر أن لا يصفه بها إذا كان الحق أعلم بنفسه وقد أثبت لنفسه هذه الصفة فمن رد نسبتها إليه فليس بمؤمن ولكن الذي يجب عليه أن يرد العلم بها إلى الله أعني علم النسبة وأما معقولية الهرولة فما خاطب أهل اللسان إلا بما يعقلونه فالهرولة معقولة وصورة النسبة مجهولة وكذلك جميع ما وصف به نفسه مما توصف به المحدثات وليس الغرض مما ذكرنا إلا جواز انتقال الطهارة من محل إلى محل آخر بضرب من المناسبة والشبه وإنما قلنا بالجواز لا بالوجوب يناقض الجواز ولصاحب الخف أن يجرد خفه ويغسل رجليه شرعا أو يمسحها بالماء على ما يقتضيه مذهبه في ذلك ولا مانع له من وكذلك هذا العاقل قد يبقى على تنزيهه للقدم ولا ينتقل إلى الهرولة ويزيلها عن هذه القدم بحكم ما يسبق إلى الفهم إذا بين أن القدم ما تشبه نسبتها إلى الحق نسبة أقدامنا إلينا من كل الوجوه فلهذا لم يتعلق الوجوب بالمسح وكان حكمه الجواز وصل وأما من أجازه سفرا ومنعه في الحضر فذلك إذا كان التنزيه عملا فلا أثر له إلا في المتعلم السامع القابل فيسافر التنزيه من العالم المعلم إلى المتعلم على راحلة التلفظ والكلام بعبارة أو إشارة من المعلم إلى المتعلم وصل وأما من منع جوازه على الإطلاق فإن حقيقة التنزيه إنما هي لله سبحانه فإنه المنزه لذاته والعبد لا يكون منزها أبدا ولا يصح وأن تنزه عن شيء ما لم يتنزه عن شيء آخر فمن حقيقته أنه لا يقبل التنزيه على الإطلاق وإذا كان بهذه الصفة لا يجوز تنزيهه فإنه خلاف العلم والأمور العارضة لا أثر لها في الحقائق فإن قبول العبد لآثار التنزيه يدل على عدم التنزيه عن قبول الآثار فيه فهذا وجه منع جواز المسح على الخف وما في معناه على الإطلاق إن فهمت وصل وتتميم وأما الإشارة بالخفين فإن المراد بهما النشأتان نشأة الجسم ونشأة الروح ولكل نشأة ما يليق بها من الطهارة فافهم

باب تحديد محل المسح من الخف وما في معناه

صفحة ٤٢٨