الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
يدعى صاحبها عبد المعيد فإنه تعالى يبدئ ويعيد فالبدء والإعادة حكمان له فإنه ما أعاد شيئا بعد ذهابه إلا أنه في إيجاده الأمثال عاد إلى الإيجاد هو تعالى فهو معيد لا أنه يعيد عين ما ذهب فإنه لا يكون لأنه أوسع من ذلك فهو المعيد للحال الذي كان يوصف به فما من موجود يوجده الحق إلا وقد فرغ من إيجاده ثم ينظر ذلك الموجود إلى الله تعالى قد عاد إلى إيجاد عين أخرى هكذا دائما أبدا فهو المبدئ المعيد المبدئ لكل شيء والمعيد لنشأته كالوالي الحكم في أمر ما إذا انتهى عين ذلك الحكم في المحكوم عليه فقد فرغ منه بالنظر إليه وعاد هو إلى الحكم في أمر آخر فحكم الإعادة فيه فافهم بخلاف حكم المبدئ فهو يبدئ كل شيء خلقا ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأنه يخلق وهو قوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده أي يعيد الخلق أي يفعل في العين الذي يريد إيجادها ما فعل فيمن أوجدها وليس إلا الإيجاد فإن الخلق يريد به المخلوق في موضع مثل قوله هذا خلق الله ويريد به الفعل في موضع مثل قوله ما أشهدتهم خلق السموات وهنا يريد به الفعل بلا شك لأنه ليس لمخلوق فعل أصلا فما فيه حقيقة من ذاته يشهد بها فعل الله لأن المخلوق لا فعل له ولا يشهد من الله إلا ما هو عليه في نفسه وقد يرد الخلق ويراد به المخلوق كما قررنا لا الفعل فلهذا جعلنا قوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده أنه يريد به هنا الفعل لا المخلوق فإن عين المخلوق ما زالت من الوجود أعني به الذات القائمة بنفسها وإنما انتقلت من الدنيا إلى البرزخ كما تنتقل من البرزخ إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النار وهي هي من حيث جوهرها لا أنها عدمت ثم وجدت فتكون الإعادة في حقها فهو انتقال من وجود إلى وجود من مقام إلى مقام من دار إلى دار لأن النشأة التي تخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا في اسم النشأة فنشأة الآخرة ابتداء فلو عادت هذه النشأة لعاد حكمها معها لأن حكم كل نشأة لعينها وحكمها لا يعود فلا تعود الجوهر عينه لا غيره موجود من حين خلقه الله لم ينعدم فإن الله يحفظ عليه وجوده بما يخلق فيه مما ته بقاؤه فالإعادة إنما هي في كون الحق يعود إلى الإيجاد بالنظر إلى حكم ما فرغ من إيجاده من هذا المخلوق ثم أنشأناه خلقا آخر فما ذكر الله أعاده إلا أنه لو شاء لفعل كما قال ثم إذا شاء أنشره لكنه لم يشأ فكلما فرغ ابتداء فعاد إلى حكم الابتداء هذا حكم إلهي لا يزول فحكم الإعادة ما خرج حكمها عن الحق فحكمها فيه لا في الخلق الذي هو المخلوق فالعالم بعد وجوده ينتقل في أحوال جديدة يخلقها الله له فلا يزال الحق يخلق ويعود إلى الخلق فيخلق لا إله إلا هو على كل شيء قدير بالإيجاد
المحيي حضرة الإحياء
إنما المحيي الذي يحيي . . . مثل نشر الثوب من طي
فإذا ما قيل لي تحي . . . قلت ربي الذي يحيي وهو مولاي ومستندي . . . ومزيل الرشد بالغي
وإذا ما جئت أسأله . . . زادني ليا إلي
لست في خير وفي دعة . . . كلما دعيت بالشيء
يدعى صاحبها عبد المحيي وهو الذي يعطي الحياة لكل شيء فما ثم إلا حي لأنه ما ثم إلا من يسبح الله بحمده ولا يسبحه إلا حي سواء كان ميت أو غير ميت فإنه حي لأن الحياة للأشياء فيض من حياة الحق عليها فهي حية في حال ثبوتها ولو لا حياتها ما سمعت قوله كن بالكلام الذي يليق بجلاله فكانت وإنما كان محييا لكون حياة الأشياء من فيض اسم الحي كنور الشمس من الشمس المنبسط على الأماكن ولم تغب الأشياء عنه في حال ثبوتها ولا في حال وجودها فالحياة لها في الحالتين مستصحبة ولذلك قال إبراهيم عليه السلام لا أحب الآفلين فإن الإله لا يكون من الآفلين والحي من أسمائه تعالى وليس الموت من أسمائه فهو يحيي ويميت وليس الموت بإزالة الحياة منه في نفس الأمر وعند أهل الكشف ولكن الموت عزل الوالي وتولية والي وال لأنه لا يمكن أن يكون العالم بلا وال يحفظ عليه مصالحه لئلا يفسد فاستناد الموت إذا كان عبارة عن الانتقال والعزل يستند إلى حقيقة إلهية وليس إلا فراغ الحق من شيء إلى شيء آخر فما له فيما فرغ منه من حكم في ذلك الوجه المفروغ منه وليس إلا أيجاد عينه خاصة وما بقي الشغل وعدم الفراغ إلا في أيجاد ما به بقاؤه في الوجود فإلى هذه الحقيقة الإلهية مستند الموت في العالم ألا ترى إلى الميت يسأل ويجيب إيمانا وكشفا وأنت محجوب تحكم عليه في هذا الحال عينا أنه ميت وكذا جاء أن الميت يسأل في قبره وما زال عنه اسم الموت السؤال فإن الانتقال موجود فلو لا أنه حي في حال موته ما سئل فليس الموت بضد الحياة إن عقلت
المميت حضرة الموت
يميت بالجهل أقواما وأنهم . . . بالمال والجاه عند الخلق أحياء
صفحة ٢٩٠