1508

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

يدعى صاحبها عبد الحكم قال تعالى فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وقال صلى الله عليه وسلم في عيسى ليه السلام أنه ينزل فينا حكما مقسطا الحديث كما ورد فالحكم هو القاضي في الأمور إما بحسب أوضاعها وإما بحسب أعيانها فيحكم على الأشياء بحدودها فهي الحكم على نفسها لأنه ما حكم عليها إلا بها ولو حكم بغير ما هي عليه لكان حكم جور وكان قاسطا لا مقسطا والحكم هو القضاء النمحكوم به على المحكوم عليه بما هو المحكوم فيه وأعجب ما في هذه الحضرة نصب الحكمين في النازلة الواحدة وهما من وجه كالكتاب والسنة فقد يتفقان في الحكم وقد يختلفان فإن علم التاريخ كان نسخا وإن جهل التاريخ إما أن يسقطا معا وإما أن يعمل بهما على التخيير فأي شيء عمل من ذلك كان كالمسح في الضوء للرجلين وكالغسل فأي الأمرين وقع فقد أدى المكلف واجبا على أن في المسألة الخلاف المشهور ولكن عدلنا إلى مذهبنا فيه خاصة فذكرناه ومرتبة الحكم أن يحكم للشيء وعلى الشيء وهذه حضرة القضاء من وقف على حقيقتها شهودا علم سر القدر وهو أنه ما حكم على الأشياء إلا بالأشياء فما جاءها شيء من خارج وقد ورد أعمالكم ترد عليكم وفي الحدود الذاتية برهان ما نبهنا عليه في هذه الحضرة الحكمية اعلم أن حقيقة هذه الحضرة من أعجب ما يكون من المعلومات فإنها مماثلة لحضرة العلم وذلك أنها عين المحكوم به الذي هو ما هو المحكوم عليه أو له فالحكم ما أعطى أمرا من عنده لمن حكم له أو عليه إذا كان عدلا مقسطا وأما إذا كان جائرا قاسطا وإن كان حكما فما هو من هذه الحضرة وهو منها بالاشتراك اللفظي وإمضاء ما حكم به وأما قول الله مخبرا أو آمرا قال وقل كلاهما رب احكم بالحق هو الحكم الذي لا يكون حقا إلا بك ومتى لم يكن الحكم بالمحكوم له أو عليه فليس حقا فالمخلوق أو المحكوم عليه جعل الحاكم حكما كما أن المعلوم جعل العالم عالما أو ذا علم لأنه تبع له وليس القادر كذلك ولا المريد فإن الأثر القادر في المقدور ولا أثر للعلم في المعلوم ولا للحكم في المحكوم عليه والحكم أخو العليم فإنه حاكم على كل معلوم بما هو ذلك المعلوم عليه في ذاته وقوله في جزاء الصيد يحكم به ذو أعدل منكم فيه رائحة أن الجائر في الحكم يسمى حكما شرعا إلا أن الحاكم لما شرع له أن يحكم بغلبة ظنه وليس علما قد يصادف الحق وقد لا يصادف وليس بمذموم شرعا ويسمى حكما وإن لم يصادف الحق ويمضي حكمه عند الله وفي المحكوم عليه وله فهنا ينفصل من العليم ويتميز لأنه ليس هنا تابع للمحكوم عليه مع كونه حكما ولا هو جائر فإنه حكم ما شرع له من إقامة الشهود أو الإقرار الذي ليس بحق فكان اللفظ من الشاهد واللفظ بالإقرار من المقر أوجب له الحكم وإن كان قول زور أو شهادة زور وإنما قلنا فيه أنه أخو العليم لكونه في نفس الأمر ما يكون حكما حقيقة إلا يجعل المحكوم له أو عليه هذا هو التحقيق والأخوة هنا قد تكون أخوة الشقائق وقد تكون الرضاعة فلذلك قلنا أنه أخو العليم وما بينا مراتب الأخوة فأحقها أخوة الإيمان فإن بها يقع التوارث وهي أخوة الصفة كذلك الحكم ما حكم الحاكم على المحكوم عليه إلا لصفة لا لعينه ومن شرط الحكم أن يكون عالما بالحكم لا بالمحكوم عليه وله وإنما شرطه العلم بصفة ما يظهر من حال المحكوم عليه وله بما ذكرناه من شهود صدقوا أو كذبوا ومن إقرار صدق أو كذب فهو تابع أبدا فيكون عالما بالحكم لا بد من ذلك الذي يوجبه ويعينه ما قررناه والحق فيه مصادفة وهو موضع الإجماع مع كونه بهذه المثابة والخلاف في حكم الحاكم بعلمه دون إقرار ولا شهادة هل يجوز أو لا يجوز وقد بينا مذهبنا في هذه المسألة في هذا الكتاب في حكم الحاكم بعلمه أين ينبغي أن يحكم وأين ينبغي أن لا يحكم بعلمه فإنها من أشكل المسائل وعلى كل حال فهي حضرة مبهمة حكم حكمها إلا شاعرة في الصفات الإلهية بقولهم لا هي هو ولا هي غيره مع قولهم بأنها زائدة بالعين على الذات وجودية لا نسبية وغير الأشعري لا يقول بهذا والله يقول وهو يهدي السبيل

حضرة العدل

العدل لا يصلح إلا لمن . . . يفصل في الخلق إذا يعدل

فإن أبى أكوانه عدله . . . فإنه بحقه يفضل

ينعم بالفضل على خلقه . . . ويستر الستر إذا يسبل

صفحة ٢٣٦