1380

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

حتى تروه بالعيان ففوضوا . . . أمر الوجود إليه لا تتحيروا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه حين ردوا دعوته فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله وهو من فاض ولا يفيض حتى يمتلئ فالفيض زيادة على ما يحمله المحل وذلك أن المحل لا يحمل إلا ما في وسعه أن يحمله وهو القدر والوجه الذي يحمله المخلوق وما فاض من ذلك وهو الوجه الذي ليس في وسع المخلوق أن يحمله يحمله الله فما من أمر إلا وفيه للخلق نصيب ولله نصيب فنصيب الله أظهره التفويض فينزل الأمر جملة واحدة وعينا واحدة إلى الخلق فيقبل كل خلق منه بقدر وسعه وما زاد على ذلك وفاض انقسم الخلق فيه على قسمين فمنهم من جعل الفائض من ذلك إلى الله تعالى فقال وأفوض أمري إلى الله وينسب ذلك الأمر إلى نفسه لأنه لما جاءه ما تخيل أنه يفضل عنه وتخيل أنه يقبل كله فلما لم يسعه بذاته رده إلى ربه ومنهم من لم يعرف ذلك فرجع الفائض إلى الله من غير علم من هذا الذي حصل منه ما حصل فهو إلى الله على كل وجه وما بقي الفضل إلا فيمن يعلم ذلك فيفوض أمره إلى الله فيكون له بذلك عند الله يد ومنهم من لا يعلم ذلك فليس له عند الله بذلك منزلة ولا حق يتوجه قال تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب واعلم أن العبد القابل أمر الله لا يقبله إلا باسم خاص إلهي وإن ذلك الاسم لا يتعدى حقيقته فهذا العبد ما قبل الأمر إلا بالله من حيث ذلك الاسم فما عجز العبد ولا ضاق عن حمله فإنه محل لظهور أثر كل اسم إلهي فعن الاسم الإلهي لا عن العبد فلما فوضه بقوله وأفوض أمري إلى الله ما عين اسما بعينه وإنما فوضه إلى الاسم الجامع فيتلقاه منه ما يناسب ذلك الأمر من الأسماء في خلق آخر فإنه ما لا يحمله زيد وضاق عنه لكون الاسم الإلهي الذي قبله به ما أعطت حقيقته إلا ما قبل منه وقد يحمله عمر ولأنه أوسع من زيد بل لا أنه أوسع من زيد ولكن عمر وفي حكم اسم أيضا إلهي قد يكون أوسع إحاطة من الاسم الإلهي الذي كان عند زيد فإن الأسماء الإلهية تتفاضل في العموم والإحاطات فيحيط العالم ويحيط العليم فيكون إحاطة العليم أكثر من إحاطة العالم وإحاطة الخبير أكثر من إحاطة غيره وكذلك الاسم المريد مع العالم والاسم القادر مع المريد ومع العالم تقل إحاطته عنهما والعبد لا بد أن يكون تحت حكم اسم إلهي فهو بحسب ذلك الاسم وما تعطيه حقيقته من القبول فيرد ما فضل عنه إليه تعالى وذلك التفويض لمن عقل عن الله قوله فإن اللسان الذي خاطبنا به الحق اقتضى ذلك فنحن معه بقوله لأنه ليس في وسع المخلوق أن يحكم عن الخالق إلا من يكون شهوده ما هي الممكنات عليه في حال عدمها فيرى أنها أعطت العلم للعالم بنفسها فقد يشم من ذلك رائحة من الحكم لكن افتقارها من حيث إمكانها يغلب عليها ولهذا ترى النافين للإمكان بالدلالة العقلية يغفلون في أكثر الحالات عما أعطاهم الدليل من نفى الإمكان في نفس الأمر فيقولون بالإمكان حتى يراجعوا وينبهوا فيتذكروا ذلك فلا بد من أمر يكون له سلطنة في هذا العبد حتى يتصف بالغفلة والذهول عما اقتضاه دليله وليس إلا الأمر الطبيعي والمزاج ألا تراه إذا انتقل بالموت الأكبر بالموت الأصغر إلى البرزخ كيف يرى في الموت الأصغر أمورا كان يحيلها عقلا في حال اليقظة وهي له في البرزخ محسوسة كما هي له في حال اليقظة ما يتعلق به حسه فلا ينكره فيما كان بدل عليه عقله من إحالة وجود أمر ما يراه موجودا في البرزخ ولا شك أنه أمر وجودي تعلق الحس به في البرزخ فاختلف الموطن على الحس فاختلف الحكم فلو كان ذلك محالا لنفسه في قبول الوجود لما اتصف بالوجود في البرزخ ولما كان مدركا بالحس في البرزخ بل قد يتحقق بذلك أهل الله حتى يدركوا ذلك في حال يقظتهم ولكن في البرزخ فهم في حال يقظتهم كحال النائم والميت في حال نومه وموته فإن تفطنت فقد رميت بك على طريق العلم بقصور النظر العقلي وأنه ما أحاط بمراتب الموجودات ولا علم الوجود كيف هو إذ لو كان كما حكم به العقل ما ظهر له وجود في مرتبة من المراتب وقد ظهر فليس لعاقل ثقة بما دله عليه عقله في كل شيء فإذا كان صحيح الدلالة سرى ذلك في كل صورة فيعلم في كل صورة يراها في البرزخ وتحصل في نفسه أنه الله فهو الله فما يختلف كونه وإن اختلفت صور تجليه وكذلك عند العارفين به هنا ما يختل عليهم شيء من ذلك ولا في البرزخ ولا في القيامة الكبرى فيشهدون ربهم في كل صورة من أدنى وأعلى وكما هم اليوم كذلك يكونون غدا وأما أبو يزيد فخرج عن مقام التفويض فعلمنا أنه كان تحت حكم الاسم الواسع فما فاض عنه شيء وذلك أنه تحقق بقوله ووسعني قلب عبدي فلما وسع قلبه الحق والأمور منه تخرج التي يقع فيها التفويض ممن وقع فهو كالبحر وسائر القلوب كالجداول وقال في هذا المقام لو أن العرش يريد به ما سوى الله وما حواه مائة ألف ألف مرة يريد الكثرة بل يريد ما لا يتناهى في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به يعني لاتساعه حيث وسع الحق ومن هنا قلنا أن قلب العارف أوسع من رحمة الله لأن رحمة الله لا تنال الله ولا تسعه وقلب العبد قد وسعه إلا أن في الأمر نكتة أومئ إليها ولا أنص عليها وذلك أن الله قد وصف نفسه بالغضب والبطش الشديد بالمغضوب عليه والبطش رحمة لما فيه من التنفيس وإزالة الغضب وهذا القدر من الإيماء كاف فيما نريد بيانه من ذلك فإن الرسل تقول ولن يغضب بعده مثله فالانتقام رحمة وشفاء ولا كونه رحمة ما وقع في الوجود وقد وقع ولكن ينبغي لك أن تعلم بمن هو وقوع الانتقام رحمة فبان لك من هنا رتبة أبي يزيد من غيره من العارفين لأنه وأمثاله لا يتكلمون إلا عن أحوالهم وذوقهم فيها ومن أسمائه تعالى الواسع كما ورد فباتساعه قبل الغضب فلو ضاق عنه ما ظهر للغضب حكم في الوجود لأنه لم يكن له حقيقة إلهية يستند إليها في وجوده وقد وجد فلا بد أن ينسب الغضب إلى الله كما يليق بجلاله وقد وسع القلب الحق ومن صفاته الغضب فقد وسع الغضب فلا ينكر على العارف مع كونه ما يرى إلا الله أن يغضب ويرضى ويتصف بأنه يؤذي وإن لم يتأذ فما أذى من لا يتأذى غير أنه لا يقال ذلك في الجناب الإلهي إلا أنه تسمى بالصبور وأعلمنا بالصبر ما هو وعلى ماذا يكون ولا نقول هو في حق الحق حلم فإن الحليم كما ورد كذلك ورد الصبور ولكل وارد معنى ما هو عين الآخر فتتغير الأحوال على العارفين تغير الصور على الحق على الصورة ولولا ذلك ما تغيرت الأحكام في العالم لأنها من الله تظهر في العالم وهو موجدها وخالقها فلا بد من قيام الصفة به وحينئذ يصح وجودها منه كان الموجد اسم فاعل ما كان وكان الموجد اسم مفعول ما كان فإن لم تعلم التفويض كما ذكرته لك وإلا وقعت في أشكال لا ننحل منه أعني في العلم بالتفويض ما هو فهذا نسبته إلى المخلوق وأما التفويض الإلهي وهو أن يكون هو المفوض أمره إلى عباده فيه فإنه كلفهم وأمرهم ونهاهم فهذا تفويض أمره إلى عباده فإنه فاض عما يجب للحق لأن التكليف لا يصح في حق الحق فلما فاض عنه لم يكن إفاضته إى على الخلق وأراد منهم أن يقوموا به حين رده إليهم كما يقوم الحق به إذا فوض العبد أمره إلى الله فمنهم من تخلق بأخلاق الله فقبل أمره ونهيه وهو المعصوم والمحفوظ منهم من رده ومنهم من قبله في وقت وفي حال ورده في وقت وفي حال كذلك فوض إليهم أمره في القول فيه فاختلفت مقالاتهم في الله ثم أبان لهم على ألسنة رسله ما هو عليه في نفسه لتقوم له الحجة على من خالف قوله فقال في الله ما يقابل ما قاله عن نفسه فلما اختلفت المقالات تجلى لأهل كل مقالة بحسب أو بصورة مقالته وسبب ذلك تفويضه أمره إليهم وإعطاؤه إياهم عقولا وأفكارا يتفكرون بها وأعطى لكل موف حقه في الاجتهاد بنظره نصيبا من الأجر أخطأ في اجتهاده أو أصاب فإنه ما أخطأ إلا المقالة الواردة في الله بلسان الشرع خاصة فحاد عنها بتأويل فيها أداه إليه نظره وورد شرع أيضا يؤيده في ذلك فما ترك المقالة من حيث عينها وإنما استند فيما ذهب إليه لأمر مشروع ودليل عقل وكونه أصاب أو أخطأ ذلك أمر آخر زائد على كونه اجتهد فإنه ما يطلب باجتهاده إلا الدليل الذي يغلب على ظنه أنه يوصله إلى الحق والإصابة لا غيرولا في البرزخ ولا في القيامة الكبرى فيشهدون ربهم في كل صورة من أدنى وأعلى وكما هم اليوم كذلك يكونون غدا وأما أبو يزيد فخرج عن مقام التفويض فعلمنا أنه كان تحت حكم الاسم الواسع فما فاض عنه شيء وذلك أنه تحقق بقوله ووسعني قلب عبدي فلما وسع قلبه الحق والأمور منه تخرج التي يقع فيها التفويض ممن وقع فهو كالبحر وسائر القلوب كالجداول وقال في هذا المقام لو أن العرش يريد به ما سوى الله وما حواه مائة ألف ألف مرة يريد الكثرة بل يريد ما لا يتناهى في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به يعني لاتساعه حيث وسع الحق ومن هنا قلنا أن قلب العارف أوسع من رحمة الله لأن رحمة الله لا تنال الله ولا تسعه وقلب العبد قد وسعه إلا أن في الأمر نكتة أومئ إليها ولا أنص عليها وذلك أن الله قد وصف نفسه بالغضب والبطش الشديد بالمغضوب عليه والبطش رحمة لما فيه من التنفيس وإزالة الغضب وهذا القدر من الإيماء كاف فيما نريد بيانه من ذلك فإن الرسل تقول ولن يغضب بعده مثله فالانتقام رحمة وشفاء ولا كونه رحمة ما وقع في الوجود وقد وقع ولكن ينبغي لك أن تعلم بمن هو وقوع الانتقام رحمة فبان لك من هنا رتبة أبي يزيد من غيره من العارفين لأنه وأمثاله لا يتكلمون إلا عن أحوالهم وذوقهم فيها ومن أسمائه تعالى الواسع كما ورد فباتساعه قبل الغضب فلو ضاق عنه ما ظهر للغضب حكم في الوجود لأنه لم يكن له حقيقة إلهية يستند إليها في وجوده وقد وجد فلا بد أن ينسب الغضب إلى الله كما يليق بجلاله وقد وسع القلب الحق ومن صفاته الغضب فقد وسع الغضب فلا ينكر على العارف مع كونه ما يرى إلا الله أن يغضب ويرضى ويتصف بأنه يؤذي وإن لم يتأذ فما أذى من لا يتأذى غير أنه لا يقال ذلك في الجناب الإلهي إلا أنه تسمى بالصبور وأعلمنا بالصبر ما هو وعلى ماذا يكون ولا نقول هو في حق الحق حلم فإن الحليم كما ورد كذلك ورد الصبور ولكل وارد معنى ما هو عين الآخر فتتغير الأحوال على العارفين تغير الصور على الحق على الصورة ولولا ذلك ما تغيرت الأحكام في العالم لأنها من الله تظهر في العالم وهو موجدها وخالقها فلا بد من قيام الصفة به وحينئذ يصح وجودها منه كان الموجد اسم فاعل ما كان وكان الموجد اسم مفعول ما كان فإن لم تعلم التفويض كما ذكرته لك وإلا وقعت في أشكال لا ننحل منه أعني في العلم بالتفويض ما هو فهذا نسبته إلى المخلوق وأما التفويض الإلهي وهو أن يكون هو المفوض أمره إلى عباده فيه فإنه كلفهم وأمرهم ونهاهم فهذا تفويض أمره إلى عباده فإنه فاض عما يجب للحق لأن التكليف لا يصح في حق الحق فلما فاض عنه لم يكن إفاضته إى على الخلق وأراد منهم أن يقوموا به حين رده إليهم كما يقوم الحق به إذا فوض العبد أمره إلى الله فمنهم من تخلق بأخلاق الله فقبل أمره ونهيه وهو المعصوم والمحفوظ منهم من رده ومنهم من قبله في وقت وفي حال ورده في وقت وفي حال كذلك فوض إليهم أمره في القول فيه فاختلفت مقالاتهم في الله ثم أبان لهم على ألسنة رسله ما هو عليه في نفسه لتقوم له الحجة على من خالف قوله فقال في الله ما يقابل ما قاله عن نفسه فلما اختلفت المقالات تجلى لأهل كل مقالة بحسب أو بصورة مقالته وسبب ذلك تفويضه أمره إليهم وإعطاؤه إياهم عقولا وأفكارا يتفكرون بها وأعطى لكل موف حقه في الاجتهاد بنظره نصيبا من الأجر أخطأ في اجتهاده أو أصاب فإنه ما أخطأ إلا المقالة الواردة في الله بلسان الشرع خاصة فحاد عنها بتأويل فيها أداه إليه نظره وورد شرع أيضا يؤيده في ذلك فما ترك المقالة من حيث عينها وإنما استند فيما ذهب إليه لأمر مشروع ودليل عقل وكونه أصاب أو أخطأ ذلك أمر آخر زائد على كونه اجتهد فإنه ما يطلب باجتهاده إلا الدليل الذي يغلب على ظنه أنه يوصله إلى الحق والإصابة لا غير فتكليفه عين تفويضه . . . فنحن وإياه فيه سوا

فتسبيحنا عين تسبيحه . . . وتسبيحه بلسان السوى

وكل امرئ إنما حظه . . . من الذكر لله ما قد نوى

فتفويضه في قوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه وتفويضنا إذ أمرنا أن نتخذه وكيلا فيما استخلفنا فيه فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولما كان العالم تحت حكم الأسماء الإلهية وهي أسماؤه فما تلقى تفويضه إلا هو لا نحن فإنه بأسمائه تلقيناه فهو الباطن من حيث تفويضه وهو الظاهر من حيث قبوله فكان الأمر بيننا كما تنزل الأمر بين السماء وهو العلي وبين الأرض وهي الذلول

فهكذا الأمر فلا تخفه . . . فإنه أوضحه كونه

وشاهد الحق به ناطق . . . فإنه في كونه عينه

صفحة ١٠٣