1378

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

ونحن فرع لمن أبدى حقائقنا . . . ذات بذات وأخلاق بأخلاق قال الله تعالى آمرا قل الحمد لله اعلم أن الحمد والمحامد هي عواقب الثناء ولهذا يكون أخرا في الأمور كما ورد أن آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وقوله صلى الله عليه وسلم في الحمد لله أنها تملأ الميزان أي هي آخر ما يجعل في الميزان وذلك لأن التحميد يأتي عقيب الأمور ففي السراء يقال الحمد لله المنعم المفضل وفي الضراء يقال الحمد لله على كل حال والحمد هو الثناء على الله وهو على قسمين ثناء عليه بما هو له كالثناء بالتسبيح والتكبير والتهليل وثناء عليه بما يكون منه وهو الشكر على ما أسبغ من الآلاء والنعم وله العواقب فإن مرجع الحمد ليس إلا إلى الله فإنه المثني على العبد والمثني عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم أنت كما أثنيت على نفسك وهو الذي أثنى به العبد عليه فرد الثناء له من كونه مثنيا اسم فاعل ومن كونه مثنيا عليه اسم مفعول فعاقبة الحمد في الأمرين له تعالى وتقسيم آخر وهو أن الحمد يرد من الله مطلقا ومقيدا في اللفظ وإن كان مقيدا بالحال فإنه لا يصح في الوجود إطلاق فيه لأنه لا بد من باعث على الحمد وذلك الباعث هو الذي قيده وإن لم يتقيد لفظا كأمره في قوله تعالى قل الحمد لله فلم يقيدوا أما المقيد فلا بد أن يكون مقيدا بصفة فعل كقوله الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وكقوله الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والحمد لله فاطر السموات وقد يكون مقيدا بصفة تنزيه كقوله الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا واعلم أن الحمد لما كان يعطي المزيد للحامد علمنا أن الحمد بكل وجه شكر وكذلك ما أعطى المزيد من الأذكار فهو شكر فهو حمد كله لأنه ثناء على الله فأما زيادته التي تحصل لمن أثنى عليه بما هو عليه فهي أن يعطيه الحق من العلم الذاتي به سبحانه ما يثني به عليه وهو قوله وقل رب زدني علما وأما إذا أثنى عليه بما يكون منه فإنه يزيده من ذلك ليثابر عليه بالثناء على الله به فعلى كل حال يعطي الزيادة وإن كان بين التحميدين فرقان ولكن من حيث ما هو تحميد من الخلق فهو عطاء أعطاه الله إياه وكل عطاء يقبل المعطي الزيادة منه فإنا لا نحمده إلا بما أعلمنا أن نحمده به فحمده مبناه على التوقيف وقد خالفنا في ذلك جماعة من علماء الرسوم لا من العلماء الإلهيين فإن التلفظ بالحمد على جهة القربة لا يصح إلا من جهة الشرع ولو استصبح هذا المخالف بنور الإنصاف لعلم أن الصدق حسن وهو يقول به أنه حسن لذاته ومع هذا فإنه يقبح في مواطن ويأثم القائل به فلهذا لا يتمكن أن يقال على جهة القربة وإن عقل أنه خير إلا حتى يقول الحق اذكروني فإما أن يطلق بكل ذكر ينسب إليه الحسن في العرف وهو من مكارم الأخلاق وإما أن يقيده فيعين ذكرا خاصا فالثناء على الله بما هو فاعل ثناء عرفي يثني به المخلوق على الخالق ما لم ينه عنه إذا كان ذلك الثناء مما يعظم في العالم فقد يكون من حيث ما هو فاعل وليس بعظيم في العالم فإذا ذكر بما هذا مثله نكر ومثاله أن يقول الحمد لله خالق كل شيء فيدخل فيه كل مخلوق معظم ومحقر ومثال المعظم في العرف أن تقول الحمد لله الذي خلق السماوات ومثل ذلك لا ينبغي أن يعين في الثناء خلق المحقر عرفا والمستقذر طبعا وإن دخل في عموم كل شيء ولكن إذا عين لا يقتضيه الأدب بل ينسب معنيه إلى سوء الأدب أو فاد العقيدة مع صحة ذلك ولا أمثل به فإني أستحيي أن يقرأ مع الزمان في كتابي فلذلك لم نمثل به كما مثلت بالعام وبالعظيم والكل منه ونعمته ولولا حقارة ذلك بالعرف لم نقل به فإني ما أرى شيئا ليس عندي بعظيم لأني أنظر بعين اعتناء الله به حيث أبرزه في الوجود فأعطاه الخير فليس عندنا أمر محتقر وهذا شهود القوم فالكل نعمته ظاهرة وباطنة فظاهرة ما شوهد منها وباطنة ما علم ولم يشهد وظاهرة التعظيم عرفا وباطنة التعظيم عند أهل الله وأهل النظر المستقيم مما ليس بعظيم في الظاهر لأن هذا الأمر شبيه بالآيات المعتادة والآيات غير المعتادة فالآيات المعتادة ما هي آيات إلا لقوم يعقلون ولا فرق بينها وبين الآيات غير المعتادة مثل حركات الأفلاك واختلاف الليل والنهار وما يظهر في فصول السنة من الأرزاق والأمور المعادة والمسخرات فلا يتنبه بها إلا كل ذي عقل سليم أنها آيات وأما غير المعتادة فهي آيات للجميع فتنبعث النفوس للثناء على الله بها دون المعتادة فصاحب هجير الحمد المطلق الذي لا يقيده الذاكر بشيء من الصفات وإن اختلفت عليه الأحوال فما هي بواعث لذلك الذكر وإنما هو الباعث الأول الذي به أطلق الذكر فهو تقييد في إطلاق فينتج له جميع ما يعطيه كل تحميد مقيد بنعت ما من النعوت أو اسم أو صفة ما لم يقف صاحب هذا الذكر مع حال من الأحوال لما يحصل له فيه من الحلاوة فيقيده ذلك الاستحلاء وإن أطلقه في اللفظ فلا ينتج له بعد ذلك إلا ما يناسب الحال الذي أعطاه الاستحلاء فأنه ذو صفة فهو بحيث هي وزال عنه بها الحكم الأول قيل لأبي يزيد كيف أصبحت فقال لا صباح لي ولا مساء إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي فلا يقف صاحب هذا الذكر مع أمر يرد عليه من الحق يقيده فهو مع كل وارد بحسب الوارد من غير تعلق بمعية فمعيته مع الوارد معية الحق مع عباده حيث ما كانوا لعلمه أنهم لا يكونون إلا بحسب أسمائه الحاكمة عليهم والمتصرفة فيهم فهو مع أسمائه لا معهم ولكن ما وقع الأخبار إلا أن الله معهم أينما كانوا كذلك الواردات لا تتعين للعبد إلا بحسب استعداده الذي أعطاه ذكره وذكره من فعله في معيته مع الواردات مع نفسه كما ذكرنا في معية الحق على السواء والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الباب الثامن والستون وأربعمائة في حال قطب كان منزله الحمد لله على كل

حال

الحمد لله على كل حال . . . فهو الذي يعم حال الوجود

وما على حمد الذي قاله . . . إذا تلفظت به من مزيد

وجاء ذا عنه به قائلا . . . قد جاء ما قد كنت منه تحيد

فإنه ناداك من حضرة . . . من قبل هذا في مقام الشهود

بأنه ليس بغير له . . . فلا يغرنك حبل الوريد

فأنت رب وأنا عبده . . . ويثبت الرب بكون العبيد

فلا تقل في كونه أنه . . . يقول يوم العرض هل من مزيد اعلم أيدك الله وإيانا بروح منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في السراء الحمد لله المنعم المفضل وكان يقول في الضراء الحمد لله على كل حال ثبت هذا في الصحاح فعلمنا أنه ذكر أدب إلهي لأنه ما قيده باسم كما قيد حمد السراء بالمنعم المفضل ومن أسمائه الضار كما من أسمائه النافع ولم يتعرض في هذا الحمد إلى ذكر الاسم الضار ولم يكن ذلك عن هوى بل عن وحي إلهي يوحي فإنه الصادق القائل أن الله أدبني فأحسن أدبي فعلمنا أن هذا الذكر من جملة الآداب على هذه الصفة وقد أوحى الله أن تتبع ملة إبراهيم ومن آداب إبراهيم عليه السلام مع ربه قوله وإذا مرضت فهو يشفيني فنسب الشفاء إلى ربه ولم ينسب إليه المرض لأنه شر في العرف بين الناس وإن كان في طيه خير في حق المؤمن فأخبر الله نبيه بحديث إبراهيم وقوله هذا تعليما له صلى الله عليه وسلم ليتأدب بأدبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك ومن كونه خلقا يحس بالألم الحسي والنفسي كما يحس باللذات المحسوسة والمعنوية ويعلم الفرقان بينهما وأن السرور يصحب الالتذاذ وأن الحزن يصحب الألم طبعا فلذلك عدل في الضراء إلى حمد الله على حال والأحوال في العالم ما هي بأمر زائد على الشأن الذي ألحق فيه بل هو عين الشأن كل حال يطرأ في الوجود مما يوافق الغرض ويلائم الطبع ومما لا يوافق الغرض ولا يلايم الطبع وإن كان الأمر في ذلك من القابل لأنا رأينا ما يتضرر به زيد يلتذ به عمر وفعلمنا أن العلة في القابل وأن الأمر الآتي منه تعالى واحد العين لا انقسام فيه فينقسم فينا أمره ويتعدد ولما عم هذا الذكر جميع الأحوال فإن تحقق الذاكر الله به ما وضع له فهي دعوى فإن الله لا بد أن يبتلي الشخص الذي يذكر الله بهذا الذكر على هذا الحد فإن الدعوى تفتح باب الابتلاء في القديم والحديث إن فهمت وإن كان الذاكر به ما خطر له أصل وضعه بخاطر بل ذكر الله به لكونه مشروعا من غير وقوف مع السبب في وجوده وتشريعه فقد يبتليه الله وقد لا يبتليه وإن قيده هذا الذاكر أعني ذلك الذكر بأنه ثناء على الله لجهة الخير لا يقصد به أصل وضعه ولا يقوله بدعوى أنه الحامد ربه على كل حال وإنما يقول ذلك مخبرا أن الله محمود على كل حال فإنه ما من حال كما قررناه إلا وله وجه في الخلق إلى الالتذاذ به والتألم به فما من حال إلا ويحمد الله عليه حمد سراء وحمد ضراء ألا تراه في السراء كيف يقول الحمد لله المنعم المفضل فمن أنعامه وفضله أن جعل صاحب الضراء يحمد الله ولهذا يعافيه ويحول بينه وبين تلك الضراء لأن حمده شكر على هذا الأفضال وهو إن ألهمه واستعمله في حمد الله ولم يستعمله في الضجر والسخط فعافى باطنه بما ألهمه إليه من التحميد فزاده الله عافية بإزالة الضراء عنه وهذا معنى دقيق مندرج في الحمد لله على كل حال وإنه مساو لحمد السراء وهو الحمد لله المنعم المفضل وبزيادة وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتختلف أحوال الذاكرين الله بهذا التحميد فكل حامد به ينتج له بحسب قصده وعلمه وباعثه وقد فصلناه تفصيلا كما أنزله الحق عز وجل في قلوب الذاكرين الله به تنزيلا فهو حمد سراء وحمد ضراء والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

صفحة ١٠١