الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
فالحمد لله حمدا لا يفوه به . . . إلا الذي هو في قلبي يصوره اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن رحمة الله وسعت كل شيء ومن رحمته أن خلق الله بها قلب عبده وجعله أوسع من رحمته فإن قلب المؤمن وسع الحق كما ورد أن الله يقول ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن فرحمته مع اتساعها يستحيل أن تتعلق به أو تسعه فإنها وإن كانت منه فلا تعود عليه وما أحال تعالى عليه أن يسعه قلب عبده وذلك أنه الذي يفقه عن الله ويعقل عنه وقد أمره بالعلم به وما أمره إلا بما يمكن أن يقوم به فيكون الحق معلوما معقولا للعبد في قلبه ولا يتصف بأنه تعالى مرحوم فهذا يدلك على أن الرحمة لا تناله من خلقه كما يناله التقوى أعني تقوى القلوب كما قال ولكن يناله التقوى منكم وقال فإنها يعني شعائر الله وهي ضرب من العلم به من تقوى القلوب وقال تعالى ' أم لهم قلوب يعقلون بها ' وما جعلها عقلا إلا ليعقل عنه العبد بها ما يخاطبه به ومما خاطبه به أن رحمته وسعت كل شيء وأن قلبه وسعه جل جلاله إلا أن ثم سرا أشير إليه ولا أبسطه وهو أن الله أخبر أنه أحب أن يعرف ومقتضى الحب معروف فخلق الخلق وتعرف إليهم فعرفوه فما عرفوه بنظرهم وإنما عرفوه بتعريفه إياهم فهذي إشارة لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد والمحبة علم ذوق وما فينا إلا محب ومن أحب عرف مقتضى الحب فمن هنا تعرف عموم الرحمة والحديث الآخر غضب الله الكائن من إغضاب العبد ثم قال عنه التراجمة عليهم السلام في باب الشفاعة إذا سألوهم الخلق فيها يوم القيامة فيقولون إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله فزال الغضب بالانتقام وأخبر صلى الله وسلم أن الصدقة تطفئ غضب الرب وهو الموفق عبده لما تصدق به فهو المطفئ غضبه بما وفق إليه عبده وهذا كثير لكن هذا القدر عند عباد الله منه فإنا لا نزيد عليه لأنا ما عرفناه إلا بتعريفه وهذا من جملة تعريفه لا من نظر المخلوق فلما اتخذ الله قلب عبده بيتا لأنه جعله محل العلم به العرفاني لا النظري حماه وغار عليه أن يكون محلا لغيره والعبد جامع فلا بد أن يظهر الحق تعالى لهذا العبد في صور شتى أي في صورة كل شيء لأنه محل العلم ولي محل العلم بالأشياء إلا القلب والحق يغار على قلب عبده أن يكون فيه غير ربه فاطلعه أنه صورة كل شيء وعين كل شيء فوسع كل شيء قلب العبد لأن كل شيء حق فما وسعه إلا الحق فمن علم الحق من حقيته فقد علم كل شيء وليس من علم شيئا علم الحق وعلى الحقيقة فما علم العبد ذلك الشيء الذي يزعم أنه علمه لأنه لو علمه علم أنه الحق فلما لم يعلم أنه الحق قلنا فيه أنه لو يعلمه وإنما قال قلب المؤمن لا غير المؤمن لكون المعرفة بالله لا تكون إلا بتعريفه لا بحكم النظر الفكري ولا يقبل تعريفه به تعالى إلا المؤمن فإن غير المؤمن لا يقبل ذلك جملة واحدة فإنه الناظر على أحد ثلاثة أمور ما أن يحيل ذلك الذي ورد به التعريف على الحق فينقسم هنا المحيلون على أقسام فمنهم من يطعن في الرسل ويجعلهم تحت سلطان الخيال وهذه الطائفة من الأخسرين الذين أضلهم الله وأعماهم عن طريق الهدى بل في طريق الهدى لو علموا فهؤلاء قد جمعوا بين الجهل وبين المروق من الذين فلاحظ لهم في السعادة وقسم آخر منهم قالوا إن الرسل هم أعلم الناس بالله فتنزلوا في الخطاب على قدر إفهام الناس لا على ما هو الأمر عليه فإنه محال فهؤلاء كذبوا الله ورسوله فيما نسب الله إلى نفسه وإلى رسله بحسن عبارة كما يقول الإنسان إذا أراد أن يتأدب مع شخص آخر إذا حدثه بحديث يرى السامع في نظره أنه ليس كما قال المخبر فلا يقول له كذبت وإنما يقول له يصدق سيدي ولكن ما هو الأمر على هذا وإنما الأمر الذي ذكره سيدي على صورة كذا وكذا فهو يكذبه ويجهله بحسن عبارة هكذا فعل هؤلاء المتأولين وقسم آخر لا يقول بأنه نزل في العبارة إلى إفهام الناس وإنما كما يقول ليس المراد بهذا الخطاب إلا كذا وكذا ما المراد منه ما تفهمه العامة وهذا موجود في اللسان الذي جاء به الرسول فهؤلاء أشبه حالا ممن تقدم إلا أنهم متحكمون في ذلك على الله بقولهم هذا هو المفهوم من اللسان وكذلك الذي يعتقده عامة ذلك اللسان هو أيضا المفهوم من ذلك فما يمنع أن يكون المجموع فأخطئوا في الحكم على الله بما لم يحكم به على نفسه فهؤلاء ما عبدوا إلا الإله الذي ربطت عليه عقولهم وقيدته وحصرته وقسم أخر قال نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع به ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول فهذا القسم متحكم أيضا بحسن عبارة وأنه رد على الله بحسن عبارة فإنهم جعلوا نفوسهم حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب وقسم آخر قالوا نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء قد قالوا خاطبنا الله عبثا لأنه خاطبنا بما لا نفهم والله يقول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقد جاء بهذا فقد أبان كما قال الله لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بيانا وهؤلاء كلهم مسلمون وأما الأمر الثالث فهم الذين كشف الله عن أعين بصائرهم غطاء الجهل فأشهدهم آيات أنفسهم وآيات الآفاق فتبين لهم أنه الحق لا غيره فآمنوا به بل علموه بكل وجه وفي كل صورة وإنه بكل شيء محيط فلا يرى العارف شيئا إلا فيه فهو ظرف إحاطة لكل شيء وكيف لا يكون وقد نبه على ذلك باسمه الدهر فدخل فيه كل ما سوى الله فمن رأى شيئا فما رآه فيه ولذلك قال الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله لأنه ما رآه حتى دخل فيه فبالضرورة يرى الحق قبل الشيء بعينه لأنه يرى صدور ذلك الشيء منه فالحق بيت الموجودات كلها لأنه الوجود وقلب العبد بيت الحق لأنه وسعه ولكن قلب المؤمن لا غيرل نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع به ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول فهذا القسم متحكم أيضا بحسن عبارة وأنه رد على الله بحسن عبارة فإنهم جعلوا نفوسهم حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب وقسم آخر قالوا نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء قد قالوا خاطبنا الله عبثا لأنه خاطبنا بما لا نفهم والله يقول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقد جاء بهذا فقد أبان كما قال الله لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بيانا وهؤلاء كلهم مسلمون وأما الأمر الثالث فهم الذين كشف الله عن أعين بصائرهم غطاء الجهل فأشهدهم آيات أنفسهم وآيات الآفاق فتبين لهم أنه الحق لا غيره فآمنوا به بل علموه بكل وجه وفي كل صورة وإنه بكل شيء محيط فلا يرى العارف شيئا إلا فيه فهو ظرف إحاطة لكل شيء وكيف لا يكون وقد نبه على ذلك باسمه الدهر فدخل فيه كل ما سوى الله فمن رأى شيئا فما رآه فيه ولذلك قال الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله لأنه ما رآه حتى دخل فيه فبالضرورة يرى الحق قبل الشيء بعينه لأنه يرى صدور ذلك الشيء منه فالحق بيت الموجودات كلها لأنه الوجود وقلب العبد بيت الحق لأنه وسعه ولكن قلب المؤمن لا غير
فمن كان بيت الحق فالحق بيته . . . فعين وجود الحق عين الكوا ئن
وما حاز المؤمن إلا بكونه على صورة العالم وعلى صورة الحق وكل جزء من العالم ما هو على صورة الحق فمن هنا وصفه الحق بالسعة قال أبو يزيد البسطامي في سعن قلب العارف لو أن العرش يعني ملك الله وما حواه من جزئيات العالم وأعيانه مائة ألف ألف مرة لا يريد الحصر وإنما يريد ما لا يتناهى ولا يبلغه المدى فعبر عنه بما دخل في الوجود ويدخل أبدا في زاوية من زوايا القلب العارف ما أحس به وذلك لأن قلبا وسع القديم كيف يحس بالمحدث موجودا وهذا من أبي يزيد توسع على قدر مجلسه لإفهام الحاضرين أما التحقيق في ذلك أن يقول أن العارف لما وسع الحق قلبه وسع قلبه كل شيء إذ لا يكون شيء إلا عن الحق فلا تتكون صورة شيء إلا في قلبه يعني في قلب ذلك العبد الذي وسع الحق
فهو الهيولى لكل صورة . . . من صورة صورة وسوره
وأنت ما بين ذا وهذا . . . أقامك الحق فيه سورة وينظر إلى قول أبي يزيد ما قال الجنيدان إذا قرن بالقديم لو يبق له أثر إلا في قول الجنيد هنا أتم من قول أبي يزيد فإن المتحدث إذا قربته بالقديم كان الأثر للقديم لا للمحدث فتبين لك بهذه المقارنة ما هو الأمر عليه وهو ما قلناه فإنه لا يمكن أن يجهل الأثر وإنما كان قبل هذه المقارنة ينسب إلى المحدث فلما قرنه بالقديم رأى الأثر من القديم ورأى المحدث عين الأثر فقال ما قال ولا نشك بعد أن تقرر هذا أن الخليل إبراهيم عليه السلام بهذه المثابة هو والرسول صلوات الله عليهم قد وسع قلبه الحق فجعله تعالى مسند أظهره إلى البيت المعمور وما دخله لأنه لو دخله لوسع البيت المعمور الحق لأنه قد وسع من وسعه وهي إشارة لا حقيقة فإن جسم إبراهيم عليه السلام محصور بحيرون بلا شك فما نريد إلا الصورة التي هو عليها في البرزخ الذي انتقل إليه بالموت وأما قوله وأخلاه من غيري هو قوله عليه السلام فيمن يقرأ القرآن من شغله ذكرى يعني القرآن يقرأه العبد عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين قال تعالى ' إنا نحن نزلنا الذكر ' وهو القرآن وقال فاسألوا أهل الذكر يعني أهل القرآن لأنه قال ما فرطنا في الكتاب من شيء فهو الجامع لكل شيء فمن اعتقد غيرا وجب عليه أن يخلي قلبه للحق والناس يتفاضلون في الدرجات فإن الله قد فضل العالم بعضه على بعض أو أفضل المفاضلة فضل العلم بالله ألا تراه قد أعطاه تعالى أعني للإنسان بمنزلة الاسم الآخر الذي لله وأعطى نفسه تعالى الاسم الأول في رتبة العلم به وجعل الملك محاطا به بين الأول والآخر فمن كان له علم بالمراتب علم ما للملك من الله وما له من إنسان ولهذا كان الملك وهو الروح الأمين يأتي بالوحي من الاسم الأول الذي لله إلى العبد الكامل الرسول النازل في منزل الاسم الإلهي الآخر وهو قوله تعالى شهد الله فبدأ بنفسه في الشهادة بتوحيده ثم ذكر الملائكة ثم ذكر بعد الملائكة أولى العلم وهم الأناسي فلله الأمر من قبل ومن بعد والملك ما بينهما وهكذا كان أمر الوجود فالأولية للحق ثم أوجد الملك ثم أوجد الإنسان وأعطاه الخلافة ولم يعطها الملك لأن الوسط له وكل وسط فهو محاط به فافهم فصورة فضل الملك على الإنسان بما أتاه به من عند الله وليس ذلك بدليل قاطع على الفضيلة في العقل وفي اللسان كما أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لأن الناس في رتبة الانفعال عن حركة الأفلاك وقبول التكوين الذي في العناصر فما ثم إلا وجوه خاصة وما ثم وجه محيط فمن وجه يفضل ومن وجه يكون مفضولا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
صفحة ١١