1280

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

قال الله تعالى حكاية عن قوم يقولون وما يهلكنا إلا الدهر وصدقوا فإنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله هو الدهر فما أهلكهم إلا الله كما هو في نفس الأمر اعلم أن الزمان نسبة لا وجود له في عينه وقد أطال الناس الكلام في ماهيته فخرج من مضمون كلامهم ما ذكرناه من أنه نسبة وأنه يحدث بحدوث السؤال بمتى يحدث له أسماء بحدوث السؤال مثل حين وإذا وإذا حروف الشرط كلها أسماء الزمان والمسمى أمر عدمي كلفظة العدم فإنها اسم مسماها لا عين له مع تعقل الحكم له فلنمثل ليفهم ما ذكرناه يقال متى جاء زيد الجواب حين طلعت الشمس مثلا وإذا طلعت الشمس ومتى تطلع الشمس من مغربها حين يأذن الله في ذلك وإذا يأذن الله ومهما أذن الله لها طلعت في جواب هل تطلع الشمس من المغرب فيعود مشرقا فيكون هذا وأمثاله جوابه فيعقل منه الزمان إن جاء زيد أكرمتك المعنى حين يجيء زيد أكرمك المعنى زمان مجيء زيد زمان وجوب كرامتك على التي أوجبتها على نفسي بمجيء زيد فهو للمحدثات زمان و للقديم أزل و معقوليته أمر متوهم ممتد لا طرفين له فنحكم عليه بالماضي لما مضى فيه و نحكم عليه بالمستقبل لما يأتي فيه و نحكم عليه بالحال لما هو فيه و هو مسمى الآن و الآن و إن كان زمانا فهو حد لما مضى في الزمان ولما استقبل في الزمان كالنقطة تفرض في محيط الدائرة فتعين لها البدء و الغاية حيث فرضتها منها فالأزل و الأبد عدم طرفي الزمان فلا أول له ولا آخر و الدوام له و هو زمان الحال و الحال له الدوام فلا يزال العالم في حكم زمان الحال و لا يزال حكم الله في العالم في حكم الزمان و لا يزال ما مضى منه و ما يستقبل في حكم زمان الحال ألا ترى في كلام الله في أخباره إيابا بأمور قد انقضت عبر عنها بالزمان الماضي و بأمور تأتي عبر عنها بالزمان المستقبل و أمور كائنة عبر عنه بالحال فالحال كل يوم هو في شأن و الماضي و قد خلقتك من قبل ولم تك شيئا و المستقبل إذا أردناه أن نقول له كن فيكون و سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون وسأريكم آتي فلا تستعجلون و نطلب عند هذا كله عينا وجودية يكون هذا كله فيها وهي له كالظرف فلا نجدها لا عقلا و لاحسا لكن و هما ظرفيا و ذاك الظرف مظروف لظرف متوهم لا يتناهى يحكم به الوهم لا غير فما ثم أن عقلت ما يعقل بالوهم و لا يعقل بالعقل و لا بالحس إلا الوجود الحق الذي نستند إليه في وجودنا فلهذه النسبة تسمى لنا بالدهر حتى لا يكون الحكم إلا له لا لما يتوهم من حكم الزمان إذ لا حاكم إلا الله ففيه ظهرت أعيان الأشياء بأحكامها فهو الوجود الدائم و أعيان الممكنات بأحكامها تظهر من خلف حجاب وجوده للطافته فنرى أعيان الممكنات وهي أعياننا من خلف حجاب وجوده ولا نراه كما نرى الكواكب من خلف حجب السموات ولا نرى السموات وإن كنا نعقل أن بيننا وبين الكواكب سموات إلا أنها من اللطافة لا تحجب من يكون وراءها و الله لطيف بعباده فمن لطفه أنه هو الذي يأتيهم بكل ما هم فيه ولا نفع أبصار العباد إلا على الأسباب التي يشهدونها فيضيفون ما هم فيه إليها فظهر الحق باحتجابه فهو الظاهر المحجوب فهو الباطن للحجاب لا لك و هو الظاهر لك و للحجاب فسبحان من احتجب في ظهوره و ظهر في حجابه فلا تشهد عين سواه و لا ترتفع الحجب عنه ولم يزل ربا و لم نزل عبيدا في حال عدمنا و وجودنا فكل ما أمر سمعنا و أطعنا في حال عدمنا و وجودنا إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال و السنة الإرسال فمن كان منا مشهوده ما وراء الحجاب وهو المثل و الرسول سمع فأطاع من حينه و من كان مشهوده المثل سمع ضرورة و لم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدم أمثاله عليه فظهر المطيع و العاصي أي عصى على مثله لكونه ما نفذ فيه أمره بالطاعة ما عصى على الله و لهذا قال بعضهم إنما احتجب الله في الدنيا عن عباده لأنه سبق في علمه أنه يكلفهم و يأمرهم و ينهاهم و قد قدر عليهم بمخالفة أمره و بموافقته في أوقات فلابد من ظهور المخالفة والموافقة فخاطبهم على السنة الرسل عليهم السلام وحجب ذاته سبحانه عنهم في صورة الرسول وذلك لأنه قال من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال فأجره حتى يسمع كلام الله فلولا أن الرسول صورته الظاهرة المشهودة ما صح هذا القول فوقعت المخالفة من المخالف بالقدر السابق والحكم القضائي ولا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب فوقع الذم على الأسباب فهي وقاية الرحمن فما خالف أحد الله تعالى وما خولف إلا الله تعالى فلا تزال الأسباب للمحجوبين مشهودة ولا يزال الحق للعارفين مشهودا مع عقلهم الحجب في حق من حجبته فكثف اللطيف عندهم ولطف الكثيف عند العارفين بالله

صفحة ٥٣٠