1278

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

فيا ليت شعري من يجهل وما ثم إلا الله فالكل عالم بما لايعلمه ثم يعلمه ولنبلونكم حتى نعلم وقد ظهر بعض رشح من هذا المشهد على طائفة من أصحاب النظر لا يعرف من أين جاءهم ذلك فحكى عنهم أنهم يقولون أن الله لا يعلم نفسه لأن العلم بالشيء يقتضي الإحاطة بالمعلوم وهو لا يتناهى وجوده ووجوده عين ماهيته ليس غيرها وما لا يتناهى لا يكون محاطا به إلا أنه لا يتناهى وأحاط علما به أنه لا يتناهى لا له ولا للعالم وهذا وإن كان قولا فاسدا فإن له وجها إلى الصحة وذلك أنه لا يعلم نفسه عل جهة الإحاطة بل يعلم نفسه أنها لا تقبل الإحاطة كما يعلم الممكنات وجميع المقدورات أنها لا تتناهى فأنظر في هذا الرش من هذا البحر الغمر كيف أثر في العالم نحلة ظهرت في العين وبدت إلى عالم الكون حتى سطرت في الدفاتر وسارت بها الركبان وتسامر بها العلماء وما ثم قائل إلا الله ولا منطق إلا الله وما بقي إلا فتح عين الفهم لتنطيق الله من حيث أنه لا ينطق إلا بالصواب فكل كلام في العالم فهو إما من الحكمة أو من فصل الخطاب فالكلام كله معصوم من الخطأ والزلل إلا أن للكلام مواطن ومحال وميادين له فيها وميادين له فيها مجال رحب تتسع ميادينه بحيث أن تنبو عن إدراك غايتها عيون البصائر

فينطق حين ينطق بالصواب . . . على ما يقتضى فصل الخطاب

وترجع حسرا أبصار قوم . . . عموا فيها عن الأمر العجاب فإذا أردت السبيل إلى فهم هذه المعاني فتعمل في تكثير النوافل التي لها أصل في الفرائض وإن تمكن لك أن تكثر من نوافل النكاح فإنه أعظم فوائد ونوافل الخير لما فيه من الازدواج والإنتاج فتجمع بين المعقول والمحسوس فلا يفوتك شيء من العالم الصادر عن الاسم الظاهر والباطن فيكون اشتغالك بمثل هذه النافلة أتم وأقرب لتحصيل ما ترومه من ذلك فإذا فعلت هذا أحبك الحق وإذا أحبك غار عليك أن تشهدك عين أو يقيدك كون فادخلك في حمى حرمه وجعلك من جملة أحبابه وأهلك له فصرت له أهلا كما قال في الحديث في أهل القرآن إنهم أهل الله وخاصته خرج ذلك الترمذي في مصنفه وإذا اتخذك أهلا جعلك محلا لا لقائه وعرشا لاستوائه وسماء لنزوله وكرسيا لقدميه فظهر لك فيك منه ما لم تره مع كونه فيك وهو قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين لأن جنوبهم تجافت عن المضاجع الطبيعية وصاروا أهلا للموارد الإلهية والشوارد الربانية فميا ههم عذبة صافية وعروشهم عن كل ما سوى ما يلقي الله إليهم خاوية آبارهم معطلة وأبوابهم مقفلة وقصورهم مشيدة ضاعت مفاتح أقفالها وتقطعت حبال آبارها فتنظر إلى مياهها ولا تذاق فتستحسن على جهالة فإذا سردت أخبارها قرآنا ظهر إعجازها فلم يستطع أحد معارضتها فيستحليها فإذا سئل عن معانيها لا يدري ما يقول إذ لا ذوق له فيها إلا ما أعطاه الشهود فغايته أن يقول إن هذا إلا سحر يؤثر لاختلاط ضوئه بظلمته تشبيها بسحر الليل وبالسحر الذي يخرج الهواء الحار ويسوق الهواء البارد لتبقى بذلك الحياة على هيكل الحيوان فلا يدري الناظر فيه أي وجه يستقبل به فإنه مهما أقبل على وجه أعرض عن الآخر إلا أن يكون نبيا فيرى من خلفه كما يرى من أمامه فيكون وجها كله وذلك هو المعبر عنه بالذوق الذي يكون عنه حقيقة الاشتياق والشوق فما ينطق عن هوى إن هو إلا وحي يوحى علمه ذو القوة المتين في صورة شديد القوى فما هو على الغيب بظنين وما هو بقول شيطان رجيم فإنه من عين القرب أخبر لأنه من دنا فتدلى فكان كما تقدم قاب قوسين أو أدنى . وما هو من مرجمات الظنون كما يقولون في أصحاب الكهف الفتية المعلومة ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب يقول ما هم على تحقيق فيما يخبرون به من عددهم هذا رجم في العدد وأين أنت لو أخذوا في حقيقة المعدود لخاضوا وما حصلوا على طائل ألا ترى إلى قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الذي ليس من شأنه ولا من شأن الأنبياء عليهم السلام وأن ينهزم ولا أن يقتل في مصاف لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا فوصفه بالانهزام وقوله صدق ألا ترى ذلك عن رؤيته أجسامهم أليسوا أناسي مثله فما ينهزم الأمن من أمر يريد إعدامه ولا يملأ مع شجاعته وحماسته رعبا إلا من شيء يهوله فلو لم ير منهم ما هو أهول مما رآه ليلة إسرائه ما امتلأ رعبا مما رآه وقد رأيناهم وما ملئنا رعبا لأنا ما شهدنا منهم إلا صور أجسامهم فرأيناهم أمثالنا فذلك الذي كان يملؤه رعبا وما ذكر الله إلا رؤية عينهم لأنه قال لو اطلعت عليهم فوصفه بالإطلاع فهم أسفل منه بالمقام ومع هذا كان يولي منهم فرارا خوفا أن يلحق بهم فينزل عن مقامه ويملأ منهم رعبا لئلا يؤثروا فيه كما قلنا من تأثير الأدنى في الأعلى كقوله صلى الله عليه وسلم رب ضاحك ملء فيه لا يدري أرضى الله أم أسخطه وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ومن علم الأمر على هذا حقيق عليه أن يولي فرارا ويملأ رعبا هل رأيتم عاقلا يقف على جرف مهواة إلا ويفر خوفا من السقوط فانظر فيما تحت هذا النعت الذي وصف الله به نبيه لو اطلع على الفتية مع علو رتبتهم وشأنهم فعلوه أعلى ورتبته أسنى فعرفنا بذلك ينبهنا على علو رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأعيان الفتية كانت المشهودة لنا ولم نول ولا ملئنا رعبا وأعيان الفتية لو اطلع عليهم نبينا لولى فرارا منهم ولملئ رعبا فانظر إلى ماذا ترجع صور العالم هل لأنفسهم أو لرؤية الناظر وتدبر ما قلناه كما تعلم قطعا أن حبال السحرة وعصيهم في عينها حبال وعصي وفي نظرنا حيات فهي عين الحيات وهي عين العصي والحبال فانظر ما ترى واعلم ما تنظر وكن بحيث تعلم لا بحيث ترى فإن الله ينكر بالرؤية ولا ينكر بالعلم فإذا لم ينكر بالرؤية فيشاهد العلم لم ينكر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

صفحة ٥٢٨