الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
قال والله أنا مثلكم . . . حائر ما لي في العلم قدم اعلم أيدك الله أن الإنسان لما أبرزه الله من ظلمة الغيب الذي كان فيه وهو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو فانفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما سواه بها فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو كما تزعم لعلمت مفاتح الغيب بذاتك وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف والممكنات كلها وأعني بكلها ميزها عن المحال والواجب لا أن أعيانها يحصرها الكل ذلك محال هي في ظلمة الغيب فلا يعرف لها حالة وجود ولكل ممكن منها مفتاح ذلك المفتاح لا يعلمه إلا الله فلا موجد إلا الله هو خالق كل شيء أي موجده فأول مفتاح فتح به مفتاح غيب الإنسان الكامل الذي هو ظل الله في كل ما سوى الله فأظهره من النفس الرحماني الخارج من قلب القرآن سورة يس وهو نداء مرخم أراد يا سيد فرخم كما قال يا أبا هر أراد يا أبا هريرة فأثبت له السيادة بهذا الاسم وجعله مرخما للتسليم الذي تطلبه الرحمة والقطع مما بقي منه في الغيب الذي لا يمكن خروجه فصورته في الغيب صورة الظل في الشخص الذي امتد عنه الظل ألا ترى الشخص إذا امتد له ظل في الأرض أليس له ظل في ذات الشخص الذي يقابله ذلك الظل الممتد فذلك الظل القائم بذات الشخص المقابل للظل الممتد ذلك هو الأمر الذي بقي من الإنسان الذي هو ظل الله الممدود في الغيب لا يمكن خروجه أبدا وهو باطن الظل الممتد والظل الممدود هو الظاهر فظاهر الإنسان ما امتد من الإنسان فظهر وباطنه ما لم يفارق الغيب فلا يعلم باطن الإنسان أبدا ونسبة ظاهره إلى باطنه متصلة به لا تفارقه طرفة عين ولا يصح مفارقته فهو في الظاهر غيب وفي الغيب ظاهر له حكم ما ظهر عنه في الحركة والسكون فإن تحرك تحرك بحق وإن سكن سكن بحق وهو على صورة موجده وما سواه من الممكنات ليس له هذا الكمال فلا غيب أكمل من غيب الإنسان فلما أبرزه الله للوجود أبرزه على الاستقامة وأعطاه الرحمة ففتح بها مغالق الأمور علوا وسفلا فأمد الأمثال بذاته وأمد غير الأمثال بمثله فبمثله ظهرت الأجسام وبمثله الآخر ظهرت الأرواح فهي له كاليمين والشمال لنقص الأجسام عن الأرواح كنقص الشمال عن اليمين والمطلق اليدين هو المثل ومثاله في الهامش وما أوجد العالم على ما ذكرناه إلا عن حركة إلهية وهي حركة المفتاح عند الفتح والممكنات وإن كانت لا تتناهى فهي من وجه محصورة في عشرة أشيئاء وهي المقولات العشرة وقد ذكرناها من قبل في هذا الكتاب فلنبين هنا مراتبها فيما يختص بهذا الباب مما لم نذكره قبل فاعلم أن لله تعالى في حضرة الغيب الذي له من الأسماء الإلهية الباطن فلا نعلم أبدا له تعالى حكما يظهر في الإنسان دون غيره من المخلوقات لما هو عليه من الجمعية وما اختص به من عموم النفس الرحماني وذلك الحكم في غيب الحق له الثبوت دائما أم دام يتصل الباطن بالظاهر للإمداد الذي من الخالق للمخلوق إذ لو انقطع عنه لفني ولذلك جعل أهل اللسان الوصل في الكلام هو الأصل والوقف عارض يطرأ في الكلام لضيق النفس الذي تبرزه القوة الدافعة فلو تمادى هلك فإذا خافت على المتنفس الهلاك جذبت القوة الجاذبة الهواء من خارج إلى داخل فكان بين انتهاء الدافعة وابتداء الجاذبة وقف المتكلم للراحة فلهذا قلنا فيه أنه عارض وهو في النفس الإلهي من حيث ما هو نفس الرحمن ما يبتلي الله به عبده من الضيق والحرج ثم ينفس عنه بالسعة فيقابل الشيء بضده ولا بد بين النقيضين إذا تعاورا على المحل من بهت يقوم بالمحل ذلك البهت هو المسمى وقفا في عالم الكلام وهذا من جوامع الكلم الذي هو جمع كلمة فما بين الكلمة والكلمة يكون بهتا لكون النفس في الكلمتين عينا واحدة قال تعالى وكان الله عليما حكيما إذا وقفت فعليما هو الذي في الغيب الإلهي وحكيما هو حكمه في الإنسان بما أمده الله به فإن وصله بكلام بعده قبضه الله إليه قبضا يسيرا فعاد إلى غيبه فلم يظهر في الإنسان حكمه وهذا من أسرار الحق التي غاية العبارة عنها ما ذكرناه فالإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه الله هذا الكمال إلا ليكون بدلا من الحق ولهذا سماه خليفة وما بعده من أمثاله خلفاء له فالأول وحده هو خليفة الحق وما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة وبدل منه في كل أمر يصح أن يكون له ولهذا صحت له المقولات العشرة التي لا تقبل الزيادة على هذا العدد فهذه هي النيابة الأولى وأما النيابة الثانية فهي أن ينوب الإنسان بذاته عن نصف الصورة من حيث روحانيتها لأن الله إذا تجلى في صورة البشر كما ورد فإنه يظهر بصورتها حسا ومعنى فالنيابة هنا الخاصة هي النيابة عن روح تلك الصورة المتجلي فيها ولا يكون ذلك إلا في حضرة الأفعال الإلهية التي تظهر في العالم على يد الإنسان من حيث ما هو مريد لفعل ما يريد أن يفعله في الحال أو المستأنف إذ لا يكون الفعل ماضيا إلا بعد ظهوره في الحال فينوب الإنسان عن الله تعالى في أفعال الحال كلها الظاهرة على يده وليس لغير الإنسان هذه النيابة فإن الملك والحيوان والمعدن والنبات ليس لهؤلاء إرادة تتعلق بأمر من الأمور إنما هم مع ما فطروا عليه من السجود لله والثناء عليه فشغلهم به لا عنه والإنسان له الشغل به وعنه والشغل عنه هو المعبر عنه بالغفلة والنسيان فالحق هنا دائرة من حيث جمع الصورة بين المعنى الروحاني والظاهر للبصر فهذا الإنسان في هذه النيابة إنما هو نائب عما يتعلق من الأفعال بروحانية تلك الصورة وعالم الأرواح أخف من عالم الأجسام ولخفته يسرع بالتحول في الصور من غير فساد العين وعالم الأجسام ليس كذلك واعلم أن النيابة الثالثة في تحقيق الأمر الذي قام بالممكن حتى أخرجه من العدم إلى الوجود فإن ذلك نيابة عن المعنى الذي أوجب للحق أن يوجد هذا الممكن المعين ولم يكن أوجده قبل ذلك سواء كان روحا مثلا أو جسما فاعلم أن الأفعال الصادرة عن المريد لها من الأمثال نيابة في الظاهر عن الله في صدور الممكنات عنه ولا يكون نائبا عنه تعالى حتى يكون من استخلفه واستنابه سمعه وبصره ويده وجميع قواه ومتى لم يكن بهذه الصفة فما هو نائب ولا خليفة فإن الممكنات في حال عدمها بين يدي الحق ينظر إليها ويميز بعضها عن بعض بما هي عليه من الحقائق في شيئية ثبوتها ينظر إليها بعين أسمائه الحسنى كالعليم والحفيظ الذي يحفظ عليها بنور وجوده شيئية ثبوتها لئلا يسلبها المحال تلك الشيئية ولهذا بسط الرحمة عليها التي فتح بها الوجود فإن ترتيب إيجاد الممكنات يقضي بتقدم بعضها على بعض وهذا ما لا يقدر على إنكاره فإنه الواقع فالدخول في شيئية الوجود إنما وقع مرتبا بخلاف ما هي عليه في شيئية الثبوت فإنها كلها غير مرتبة لأن ثبوتها منعوت بالأزل لها والأزل لا ترتيب فيه ولا تقدم ولا تأخر ولما كان في الأسماء الإلهية عام وأعم وخاص وأخص صح في الأسماء الإلهية التقدم والتأخر والترتيب فبهذا قبلت شيئيات وجود الترتيب فما من وقت يمر عليك هنا لا يظهر فيه ممكن معين ثم يظهر في الوقت الثاني إلا وبقاؤه في شيئية ثبوته مرجح في الوقت الذي لم تقم به شيئية وجوده إذ لو لم يكن مرجحا لوجد في الوقت الذي قلنا أنه مر عليه فلم يوجد فيه فصار بقاء كل ممكن مرجحا في حال عدمه وإن كان العدم له أزلا كما أن قبوله لشيئية وجوده مرجح وهذا من أعجب دقائق المسائل إن فكرت فيه فتوقف حكم الإرادة على حكم العلم ولهذا قال إذا أردناه فجاء بظرف الزمان المستقبل في تعليق الإرادة والإرادة واحدة العين فانتقل حكمها من ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده فهذه حركة إلهية قدسية منزهة أعطتها حقيقة الإمكان التي هي حقيقة الممكن فلما خلق الله المخلوق الممكن المنعوت بالإرادة والقدرة على ظهور الأفعال منه بحكم النيابة عن الله في ظاهر الأمر لا في باطنه فهو سبحانه في الباطن مظهر الممكن في شيئية وجوده من خلف حجاب الظاهر المريد القادر الذي هو المخلوق الذي له هذه الصفة فهو يد اله المريد بإرادة الله فيفعل بالهمة كقوله كن ويفعل بالمباشرة كخلقه آدم بيديه وجميع ما أضافه إلى خلق يده سبحانه فيقال في الحق مع هذه النسبة من غير مباشرة وهي في العبد مباشرة فإن وقعت من غير مريد لها فما هو مطلوبنا ولا تكلمنا فيه وإنما ذلك له سبحانه أظهره في هذا المحل الخاص كحركة المرتعش وكل ما صدر عن غير إرادة فما هو نائب صاحب هذه الصفة فالنائب يطلعه الله في قلبه على ما يريد الحق إيجاد عينه من الممكنات وهو على ضربين في اطلاعه فتارة يكون عن نظر وفكر فينوب بنظره وفكره عن الله المدبر المفصل من حيث أنه يدبر الأمر بفصل الآيات وتارة يخطر له بديهيا ما يلقيه الله في باطنه كما يعطي العلم الإلهي الإرادة الإلهية التعلق بإيجاد أمر ما من غير حكم الاسم المدبر المفصل فيظهر هذا الممكن على يد هذا المخلوق الذي هو مريد له وهو النائب بالوجهين التدبير والبديهة فقد حصل لهذا النائب اطلاع على حضرة أعيان الممكنات في شيئية ثبوتها في النائب في حضرة خياله وذلك أن الله أخرج هذا الممكن من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده في حضرة خيال ليقع الفرق بين الله وبين النائب في ظهور هذه العين المطلوب وجودها في عالم الحس فتتصف هذه العين بأنها محسوسة إن كانت صورة وإن لم تكن صورة يدركها البصر وتكون معنى فيلبسها صورة العبارات عنها أو صورة ما يدل عليها من إيماء أو إشارة فتلك صورتها التي يمكن أن تظهر لعين الرائي فيها أو السامع أو ما كان فالنائب على الحقيقة إنما أخرج بالإرادة ما أخرج من وجود خيالي متوهم أو معقول إلى وجود حسي مقيد بصورة عينية أو لفظية أو ما كان وتعلق بهذا الوجود البصر من الرائي إن كان في صورة عين وإن كان في صورة لفظ وأشباهه فيدركه بسمع فيضاف مثل هذا الوجود والإيجاد إلى النائب ولكن لا بد من شرط الإرادة والاختيار في ذلك فإن تعرى عنهما فليس من بنائب ولو ظهر ذلك منه وعليه بل ذلك لله تعالى وأما وجود ما لا ينقال فليس للنائب فيه دخول البتة فإن ذلك من خصائص الحق فتفهم ما بيناه لك فإنه من لباب المعرفة وأما النيابة الرابعة فهي نيابته فيما نصبه الحق له مما لو لم يكن عنه لكان ذلك عن الله تعالى فاعلم أن الله تعالى لما أراد أن يعرف فلا بد أن ينصب دليلا على معرفته ولا بد أن يكون الدليل مساويا له تعالى في العلم به من حيث هو أمر موجود وأن يكون عالما بنفسه من حيث ما هو موصوف بصفة تسمى العلم وعالم بنفسه بما هو يرى نفسه وتسمى مكاشفة أو مشاهدة وهذا من كونه ذا بصر فإن الله وصف نفسه بأن له بصرا كما وصف نفسه بأن له علما قال تعالى أنزله بعلمه وفي الخبر الإلهي ما قاله لموسى وهارون أنني معكما أسمع وأرى وورد في حديث الحجب وهو صحيح ما أدركه بصره من خلقه فلما نصب الدلالة عليه نصبها في الآفاق فدلت آيات الآفاق على وجوده خاصة فما نابت الآفاق في الدلالة عليه بما جعل فيها من الآيات منابه لو ظهر للعالم بذاته فخلق الإنسان الكامل على صورته ونصبه دليلا على نفسه لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة لا بطريق الفكر الذي هو طريق الرؤية في آيات الآفاق وهو قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق ثم لم يكتف بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل الذي نصبه دليلا أقرب على العلم من طريق الكشف والشهود فقال أهل الشهود كفانا ألم تر إلى ربك كيف مد الظل فذكر الكيف والظل لا يخرج إلا على صورة من مده منه فخلقه رحمة فمد الظل رحمة واقية فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل ولا أحد من المخلوقين أشد بطشا وانتقاما من الإنسان الحيواني فالإنسان الكامل وإن بطش وكان ذا بطش شديد فالإنسان الحيواني أشد بطشا منه ولذلك قال أبو يزيد بطشي أشد منه من حيث نفسه الحيوانية لأنه يبطش بما لم يخلق فلا رحمة له فيه والحق يبطش بمن خلق فالرحمة مندرجة في بطشه حيث كان فإن الحدود التي نصبها في الدنيا وحيث كانت إنما هي للتطهير وكذلك الآلام والأمراض وكل ما يؤدي إلى ذلك كل ذلك للتطهير ورفع الدرجات وتكفير السيئات فلما خلق الإنسان الكامل وخلفاءه من الأناسي على أكمل صورة وما ثم كمال إلا صورته تعالى فأخبر أن آدم خلقه على صورته ليشهد فيعرف من طريق الشهود فابطن في صورته الظاهرة أسماءه سبحانه التي خلع عليه حقائقها ووصفه بجميع ما وصف به نفسه ونفى عنه المثلية فلا يماثل وهو قوله ليس كمثله شيء من العالم أي ليس مثل مثله شيء من العالم ولم يكن مثلا إلا بالصورة فاعترضت الملائكة لنشأة آدم من الطبيعة لما تحمله الصورة من الأضداد ولا سيما وقد جعل وجود آدم من العناصر فهو إلهي طبيعي عنصري فلم تشاهد الأسماء الإلهية التي هي أحكام هذه الصورة وهي كون الحق سمعه وبصره وجميع قواه فلو شهدت ذلك ما اعترضت فأد بها الله بما ذكر ثم نظر العقل بآيات الآفاق وغاص بفكره في تلك الآيات الآفاقية بمشاهد ة التنزيه دون التشبيه الذي أعطته المماثلة بالصورة فلما أسمعه الحق الخطاب أعني أسمع العقل المركب في الإنسان الحيواني لا في الإنسان الكامل بنفسه عرفه والإنسان الحيواني عرفه بعقله بعدما استعمل آلة فكره فلا الملك عرف الإنسان الكامل لأنه ما شاهده من جميع وجوهه ولا الإنسان الحيواني عرفه بعقله من جميع وجوهه فكلما قام له شهود في نفسه من حيث لم يشعر أنه شهود أثر الحق رده ونزه الحق عنه فإذا ورد عليه خبر إلهي يعطي ما أعطاه الخيال الفاسد عنده تأول ذلك الخبر على طريق يفضي به إلى التنزيه خاصة فحده من حيث لم يشعر وما أطلقه فجهل الكل الإنسان الكامل فجهلوا الحق فما عرف الحق إلا الإنسان الكامل ولهذا وصفته الأنبياء بما شهدوه وأنزل عليهم بصفات المخلوقين لوجود الكمال الذي هو عليه الحق وما وصل إلى هذه المعرفة بالله لا ملك ولا عقل إنسان حيواني فإن الله حجب الجميع عنه وما ظهر إلا للإنسان الكامل الذي هو ظله الممدود وعرشه المحدود وبيته المقصود الموصوف بكمال الوجود فلا أكمل منه لأنه لا أكمل من الحق تعالى فعلمه الإنسان الكامل من حيث عقله وشهوده فجمع بين العلم البصري الكشفي وبين العلم العقلي الفكري فمن رأى أو من علم الإنسان الكامل الذي هو نائب الحق فقد علم من الذي استنابه واستخلفه فإنه بصورته ظهر وأمرنا بالطاعة لأولي الأمر كما أمرنا بالطاعة لله ولرسوله وأن لا نخرج يدا من طاعة فنموت ميتة جاهلية والجهل أشد ما على الإنسان فلو لم ينصب سبحانه وتعالى الإنسان الكامل لتتحقق المعرفة بالله من حيث ما هو إله في الوجود الحادث معرفة كمال وهي المعرفة التي طلبت منا لظهر بنفسه وذاته إلى خلقه حتى يعرفه على المشاهدة والكشف فلا ينكر وما أنكره من أنكره في الآخرة أو حيث وقع الإنكار إلا لما تقدمهم النظر العقلي وقيدوا الحق فلما لم يروا ما قيدوه به من الصفات عند ذلك أنكروه ألا تراهم إذا تجلى لهم بالعلامة التي قيدوه بها عند ذلك يقرون له بالربوبية فلو تجلى لهم ابتداء قبل هذا التقييد لما أنكره أحد من خلقه فإنه بتجليه ابتداء يكون دليلا على نفسه فلهذا قلنا في الإنسان الكامل أنه نائب عن الحق في الظهور للخلق لحصول المعرفة به على الكمال الذي تطلبه الصورة الإلهية والله من حيث ذاته غني عن العالمين والإنسان الكامل بوجوده وكمال صورته غني عن الدلالة عليه لأن وجوده عين دلالته على نفسه فالكشف أتم المعارف وإن لم يتكرر التجلي فإن المتجلي واحد معلوم فإن الإنسان يعلم نفسه أنه يتقلب في أحواله وخواطره وأفعاله وأسراره كلها في صور مختلفة ومع هذا التقليب والتحول يعلم عينه ونفسه وأن هويته هي هي ما زالت مع ما هو عليه من التقليب فهكذا هي صورة التجلي وإن كثرت ولم تتكرر فإن العلم بالمتجلي في هذه الصور واحد العين غير مجهول فلا تحجبه التكيفات عنه فهذه هي النيابة الرابعة قد وفيناها حقها ولا يعرف ما ذكرناه إلا من كان زنيما ذا مال فإنه بصورته دخل في الألوهة وليس باله فكان زنيما والمال يوجب الغنى فله صفة الغني بما هو عليه من الصورة فاعلم ذلك وأما النيابة الخامسة فهي نيابة الإنسان عن جميع الدرجات في العالم لا غير وصورة رفعه أن الإنسان الكامل من حيث أنه ليس أحد معه في درجته لأنه ما حاز الصورة الإلهية غيره فدرجته رفيعة عن النيل فلا يعرفه إلا الله ولا يعلم الله إلا الإنسان الكامل فهو مجلاه ولما ارتفعت درجته بالإحاطة وحصول الكل لم يتمكن للجزء أن يعرفه إذ لا معرفة للجزء بالكل لأن الشيء لا يعرف إلا نفسه ولا يعرف شيئا إلا من نفسه وما للجزء صفة الكل فاستحال أن يعرف أحد الإنسان الكامل لأنه ليست له درجة فالكل يعرف الكل مثله ويعرف ما يحوي كليته عليه من الأجزاء لأنها كالأعضاء والقوى لصورته والشيء لا يجهل نفسه فظهر كل الإنسان في درجة لا يبلغ إليها فناب بما ذكرناه مما ظهر فيه مناب رفيع الدرجات ذو العرش فكأن الإنسان ثنى موجده فكانت أحديته قبلت الثاني على صورة أحديتها فإذا ضربت أحدية الإنسان الكامل في أحدية الحق لم يخرج لك إلا أحدية واحدة فلك أن تنظر عند ذلك أية أحدية خرجت وأية أحدية ذهبت هل أحدية النائب أو أحدية من استنابه فاعمل بحسب ما ظهر لك من ذلك تسعد فما من حكم للنائب مما له أثر في الكون أو تنزيه عن المثل إلا وذلك الحكم لمن استنابه فلا تبال أية أحدية ظهرت ولا أية أحدية بطنت فما أمره إلا واحدة كما ظهر عن نفسهه بعقله بعدما استعمل آلة فكره فلا الملك عرف الإنسان الكامل لأنه ما شاهده من جميع وجوهه ولا الإنسان الحيواني عرفه بعقله من جميع وجوهه فكلما قام له شهود في نفسه من حيث لم يشعر أنه شهود أثر الحق رده ونزه الحق عنه فإذا ورد عليه خبر إلهي يعطي ما أعطاه الخيال الفاسد عنده تأول ذلك الخبر على طريق يفضي به إلى التنزيه خاصة فحده من حيث لم يشعر وما أطلقه فجهل الكل الإنسان الكامل فجهلوا الحق فما عرف الحق إلا الإنسان الكامل ولهذا وصفته الأنبياء بما شهدوه وأنزل عليهم بصفات المخلوقين لوجود الكمال الذي هو عليه الحق وما وصل إلى هذه المعرفة بالله لا ملك ولا عقل إنسان حيواني فإن الله حجب الجميع عنه وما ظهر إلا للإنسان الكامل الذي هو ظله الممدود وعرشه المحدود وبيته المقصود الموصوف بكمال الوجود فلا أكمل منه لأنه لا أكمل من الحق تعالى فعلمه الإنسان الكامل من حيث عقله وشهوده فجمع بين العلم البصري الكشفي وبين العلم العقلي الفكري فمن رأى أو من علم الإنسان الكامل الذي هو نائب الحق فقد علم من الذي استنابه واستخلفه فإنه بصورته ظهر وأمرنا بالطاعة لأولي الأمر كما أمرنا بالطاعة لله ولرسوله وأن لا نخرج يدا من طاعة فنموت ميتة جاهلية والجهل أشد ما على الإنسان فلو لم ينصب سبحانه وتعالى الإنسان الكامل لتتحقق المعرفة بالله من حيث ما هو إله في الوجود الحادث معرفة كمال وهي المعرفة التي طلبت منا لظهر بنفسه وذاته إلى خلقه حتى يعرفه على المشاهدة والكشف فلا ينكر وما أنكره من أنكره في الآخرة أو حيث وقع الإنكار إلا لما تقدمهم النظر العقلي وقيدوا الحق فلما لم يروا ما قيدوه به من الصفات عند ذلك أنكروه ألا تراهم إذا تجلى لهم بالعلامة التي قيدوه بها عند ذلك يقرون له بالربوبية فلو تجلى لهم ابتداء قبل هذا التقييد لما أنكره أحد من خلقه فإنه بتجليه ابتداء يكون دليلا على نفسه فلهذا قلنا في الإنسان الكامل أنه نائب عن الحق في الظهور للخلق لحصول المعرفة به على الكمال الذي تطلبه الصورة الإلهية والله من حيث ذاته غني عن العالمين والإنسان الكامل بوجوده وكمال صورته غني عن الدلالة عليه لأن وجوده عين دلالته على نفسه فالكشف أتم المعارف وإن لم يتكرر التجلي فإن المتجلي واحد معلوم فإن الإنسان يعلم نفسه أنه يتقلب في أحواله وخواطره وأفعاله وأسراره كلها في صور مختلفة ومع هذا التقليب والتحول يعلم عينه ونفسه وأن هويته هي هي ما زالت مع ما هو عليه من التقليب فهكذا هي صورة التجلي وإن كثرت ولم تتكرر فإن العلم بالمتجلي في هذه الصور واحد العين غير مجهول فلا تحجبه التكيفات عنه فهذه هي النيابة الرابعة قد وفيناها حقها ولا يعرف ما ذكرناه إلا من كان زنيما ذا مال فإنه بصورته دخل في الألوهة وليس باله فكان زنيما والمال يوجب الغنى فله صفة الغني بما هو عليه من الصورة فاعلم ذلك وأما النيابة الخامسة فهي نيابة الإنسان عن جميع الدرجات في العالم لا غير وصورة رفعه أن الإنسان الكامل من حيث أنه ليس أحد معه في درجته لأنه ما حاز الصورة الإلهية غيره فدرجته رفيعة عن النيل فلا يعرفه إلا الله ولا يعلم الله إلا الإنسان الكامل فهو مجلاه ولما ارتفعت درجته بالإحاطة وحصول الكل لم يتمكن للجزء أن يعرفه إذ لا معرفة للجزء بالكل لأن الشيء لا يعرف إلا نفسه ولا يعرف شيئا إلا من نفسه وما للجزء صفة الكل فاستحال أن يعرف أحد الإنسان الكامل لأنه ليست له درجة فالكل يعرف الكل مثله ويعرف ما يحوي كليته عليه من الأجزاء لأنها كالأعضاء والقوى لصورته والشيء لا يجهل نفسه فظهر كل الإنسان في درجة لا يبلغ إليها فناب بما ذكرناه مما ظهر فيه مناب رفيع الدرجات ذو العرش فكأن الإنسان ثنى موجده فكانت أحديته قبلت الثاني على صورة أحديتها فإذا ضربت أحدية الإنسان الكامل في أحدية الحق لم يخرج لك إلا أحدية واحدة فلك أن تنظر عند ذلك أية أحدية خرجت وأية أحدية ذهبت هل أحدية النائب أو أحدية من استنابه فاعمل بحسب ما ظهر لك من ذلك تسعد فما من حكم للنائب مما له أثر في الكون أو تنزيه عن المثل إلا وذلك الحكم لمن استنابه فلا تبال أية أحدية ظهرت ولا أية أحدية بطنت فما أمره إلا واحدة كما ظهر عن نفسه ما الأمر إلا هكذا . . . ما الأمر إلا ما ذكر
فالقول قول فاضل لا احتكام في البشر
والشأن شأن واحد . . . في عينه لمن نظر
أنت الرفيع المجتبي . . . عند مليك مقتدر
إن كنت في صورته . . . على شهود فاعتبر
ما قلته فإنه . . . يدخل في حكم الفكر
إن كنت ذا عقل سل . . . يم آمنا من الغير
تجده حقا واضحا . . . في سور بلا صور
فالعين قد تشهده . . . في صور وفي سور
والحق ما بينهما . . . في عرشه على سرر
يقابل المثل كما . . . يقابل الصور الصور
صفحة ٢٧٥