الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
لا تدعني إلا بيا عبدها . . . فإنه أشرف أسمائي فليس لصنعة شرف أعلى من إضافتها إلى صانعها ولهذا لم يكن لمخلوق شرف إلا بالوجه الخاص الذي له من الحق لا من جهة سببه المخلوق مثله وفي هذا الشرف يستوي أول موجود وهو القلم أو العقل أو ما سميته وأدنى الموجودات مرتبة فإن النسبة واحدة في الإيجاد والحقيقة واحدة في الجميع من الإمكان فآخر صورة ظهر فيها الإنسان الصورة الآدمية وليس وراءها صورة أنزل منها وبها يكون في النار من شقي لأنها نشأة وتركيب تقبل الآلام والعلل وأما أهل السعادة فينشئون نشأة وتركيبا لا يقبل ألما ولا مرضا ولا خبثا ولهذا لا يهرم أهل الجنة ولا يتمخطون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يسقمون ولا يجوعون ولا يعطشون وأهل النار على النقيض منهم وهي نشأة الدنيا وتركيبها فهي أدنى صورة قبلها الإنسان وقد أتت عليه أزمنة ودهور قبل أن يظهر في هذه الصورة الآدمية وهو في الصورة التي له في كل مقام وحضرة من فلك وسماء وغير ذلك مما تمر عليه الأزمان والدهور ولم يكن قط في صورة من تلك الصور مذكورا بهذه الصورة الآدمية العنصرية ولهذا ما ابتلاه قط في صورة من صوره في جميع العالم إلا في هذه الصورة الآدمية ولا عصى الإنسان قط خالقه إلا فيها ولا ادعى رتبة خالقه إلا فيها ولا مات إلا فيها ولهذا يقبل الموت أهل الكبائر في النار ثم يخرجون فيغمسون في نهر الحياة فيتركبون تركيب لا يقبل الألم ولا الأسقام فيدخلون بتلك الصورة الجنة واعلم أن الصراط الذي إذا سلكت عليه وثبت الله عليه أقدامك حتى أوصلك إلى الجنة هو صراط الهدى الذي أنشأته لنفسك في دار الدنيا من الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة فهو في هذه الدار بحكم المعنى لا يشاهد له صورة حسية فيمد لك يوم القيامة جسرا محسوسا على متن جهنم أوله في الموقف وآخره على باب الجنة تعرف عندما تشاهده أنه صنعتك وبناؤك وتعلم أنه قد كان في الدنيا ممدودا جسرا على متن جهنم طبيعتك في طولك وعرضك وعمقك وثلاث شعب إذ كان جسمك ظل حقيقتك وهو ظل غير ظليل لا يغنيها من اللهب بل هو الذي يقودها إلى لهب الجهالة ويضرم فيها نارها فالإنسان الكامل يعجل بقيامته في الموطن الذي تنفعه قيامته فيه وتقبل فيه توبته وهو موطن الدنيا فإن قيامة الدار الأخرى لا ينفع فيها عمل لأنه لم يكلف فيها بعمل فإنه موطن جزاء لما سلف في الدار الدنيا وهو قوله تعالى ثم هدى أي بين ما يقتضيه المواطن ليكون الإنسان المخاطب في كل موطن بما قرن به من العمل بالذي يرضيه وهو ممزوج بما ينافيه مثل خلق الأجسام الطبيعية سواء فإن الحرارة تنافر البرودة وإن الرطوبة تنافر اليبوسة وأراد الحق أن يجمع الكل على ما هم عليه من التضاد في جسم واحد فضم الحرارة إلى اليبوسة فخلق منهما المرة الصفراء ثم زوج بين الحرارة والرطوبة فكان لهذا المزاج الدم وجعله مجاورا لهما جعل الرطوبة التي في الدم مما بلى اليبوسة التي في الصفراء بحكم المجاورة حتى تقاومها في الفعل فلا تترك كل واحد منهما يظهر سلطانها في المزاج الإنساني الحيواني فلو جعل الحرارة الدموية تليها فلا بد إن كان يليها من الصفراء أما الحرارة أو اليبوسة فإن وليتها اليبوسة وهي المنفعلة عن الحرارة فكان اليبس بتقوى سلطانه في الجسم فيودي إلى دخول المرض عليه فيحول المرض بينه وبين ما كلفه رب الجسم أن يشتغل به من العلوم واقتنائها والأعمال الموصلة إلى السعادة وكذلك لو جاورتها حرارة الصفراء لزادت في كمية الصفراء فيعتل فلهذا كانت الرطوبة مما يلي الصفراء ثم إنه تعالى زوج بين البرودة والرطوبة فكان من هذا الاختلاط البلغم فجعل الرطوبة البلغمية مما يلي الحرارة الدموية ولو لم يكن كذلك لكان كما ذكرناه أولا من دخول العلة والسقم للزيادة في الكمية في ذلك الخلط ثم زوج بين البرودة واليبوسة فكان من ذلك المزج المرة السوداء فجعل اليبوسة من السوداء مما يلي الرطوبة من البلغم ولم يجعل البرودة من السوداء تليها لئلا تزيد في كمية رطوبة البلغم فإن الرطوبة منفعلة عن البرودة فإذا حصلت بين برودة البلغم وبرودة السوداء تضاعفت وزادت كمية البلغم فدخلت العلة والمرض على الجسم فإنها قابلة للانفعال فانظر لحكمة الله في هذه النشأة وهذا لبقاء الصحة على هذا الجسم الذي هو مركب هذه اللطيفة ليوصلها إلى ما دعاها إليه بها عز وجل فهذا المركب الجسمي يستولي عليه الروح الإلهي فإذا تغشاه حمل فينتج أعمالا إما صالحة وهي المخلقة وإما فاسدة وهي غير المخلقة وظهرت هذه الأعمال في صور مراكب فإن كانت صالحة صعدت به إلى عليين قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب أي الأرواح الطيبة فإنها كلمات الله مطهرة قال تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وقال والعمل الصالح يرفعه كذلك إذا كان العمل فاسدا يهوي به إلى أسفل سافلين قال تعالى ثم رددناه أسفل سافلين أي هوى به مركبه وقد كان في أحسن تقويم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإن عمله يصعد به إلى عليين فيكون له أجر غير ممنون وهو الأجر المكتسب ولا يكون الأجر إلا مكتسبا فإن أعطى ما هو خارج عن الكسب لا يقال فيه أجر بل هو نور وهبات ولهذا قال في حق قوم لهم أجرهم ونورهم فأجرهم ما اكتسبوه ونورهم ما وهبهم الحق تعالى من ذلك حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب حتى يشغل ذلك الوهب العبد عن معاينة سلطان الاستحقاق الذي يعطيه الأجر إذ كان معاوضة عن عمل متقدم مضاف إلى العبد فلا أجر إلا ويخالطه نور لما ذكرناه فإن النشأة على هذا الأصل قامت وذلك أن الجسم الطبيعي لما تركب وظهر بروحه الحساس لو ترك مستقلا لأهلكته الدعوى ولكن جعل الله له روحا ربانيا من نفس الرحمن الذي هو الروح الإلهي فظهرت لطيفة الإنسان نورا فوكلت بالجسم الحيواني فلهذا قرن الأنوار بالأجور حتى تكون المنة الإلهية تصحب هذا العبد حيث كان والله عليم حكيم ولهذا قلنا إن هذا منزل الاختلاط وإن كان يتضمن علوما جمة منها علم حروف المعاني لا حروف الهجاء وهل إذا دخل بعضها على بعض هل ينقلها عن مقام الحرفية إلى مقام الاسمية إذ الحرف لا يعمل في مثله وبماذا يعمل حرف في حرف وليس كل حرف واحد بأقوى من صاحبه مثل دخول من على حرف عن فقد كان حرف عن يعطي معنى التجاوز فصيره حرف من يدل على الجهة والناحية كما يدل الاسم قال الشاعر من عن يمين الحبيا نظرة قبل فالعامل في يمين عن بلا شك ولكن هل عمل فيه عمل الحرفية لبقاء صورته أو عمل فيه عمل الإضافة وهو عمل الأسماء فيكون عمله من طريق المعنى الذي كساه من بدخوله عليه ويكون عن معمولا لمن أو يبقى على أصله فنقول بجواز دخول الحروف بعضها على بعض ونترك عمل الواحد منهما ونجعله زائدا كما نعمله في ما إذا جعلناها زائدة في قوله إذا ما راية رفعت لمجد فما هنا زائدة لأن الكلام يستقل دونها فتقول إذا راية فلا عمل هنا لها وكذلك حرف إن في قول امرئ القيس فما إن من حديث ولا صال فإن هنا زائدة لا عمل لها فيكون ذلك كذلك ولا مانع إذ لو حذفنا عن من قوله من عن يمين لم يختل المعنى ولا يخرج الحرف عن بابه إلى باب الاسمية من غير ضرورة وإذا أبدل الحرف من الحرف هل يعطي معنى ما أبدل منه أو هل يعطي خلافه ومما يتضمن هذا المنزل علم المراكب والركبان وعلم الزمان وعلم شرف الكلام وعلم شرف الذكر على الفكر وكون الحق وصف نفسه بالذكر وما وصف نفسه بالفكر مع أنه أثبت لنفسه التدبير وهو الفكر أو يقوم مقام اللازم له ويتضمن علم الخلق والصفات وعلم البيان وعلم الأحوال وعلم الاستعداد وعلم الإحسان وعلم التجلي الوسط الأوسط الذي بين الذوق والري في مذهب من يقول بالري وعلم ثلج برد اليقين من أين حصل وعلم العبودية لله دون غيره من الأشياء وما لهذه العبودية من الآثار في العلوم وعلم ما يعطيه أداء الواجبات وعلم الآخرة وعلم الهبات من العطايا واختلاف أحوال العطاء وعلم التقوى وأصناف الوقايات وعلم نعيم الأرواح وعلم العرش والرفارف والمنابر والأسرة والكراسي والمراتب وأين حظ كل واحد منها وعلم النقيضين وعلم التداني الأعلى من التداني الأنزل وعلم الظلالات وعلم الانقياد بطريق الذلة وعلم الطواف بالبيت والطائفين ولماذا يطاف به وبماذا يطاف وعلم الاصطلام وعلم اللآلي والسلوك وعلم الرتبة الإلهية والدنياوية وتنوعاتها وما المحود منها وعلم التحجيل وعلم تقديس التجلي وعلم الجزاء الإلهي وعلم تنزيل الغيوب وعلم التكليف وعلم الإرادة وعلم التبديل والإبدال وعلم الاختصاص وفي كل صنف مما ذكرناه من العلوم علوم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . لروح الإلهي فإذا تغشاه حمل فينتج أعمالا إما صالحة وهي المخلقة وإما فاسدة وهي غير المخلقة وظهرت هذه الأعمال في صور مراكب فإن كانت صالحة صعدت به إلى عليين قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب أي الأرواح الطيبة فإنها كلمات الله مطهرة قال تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وقال والعمل الصالح يرفعه كذلك إذا كان العمل فاسدا يهوي به إلى أسفل سافلين قال تعالى ثم رددناه أسفل سافلين أي هوى به مركبه وقد كان في أحسن تقويم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإن عمله يصعد به إلى عليين فيكون له أجر غير ممنون وهو الأجر المكتسب ولا يكون الأجر إلا مكتسبا فإن أعطى ما هو خارج عن الكسب لا يقال فيه أجر بل هو نور وهبات ولهذا قال في حق قوم لهم أجرهم ونورهم فأجرهم ما اكتسبوه ونورهم ما وهبهم الحق تعالى من ذلك حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب حتى يشغل ذلك الوهب العبد عن معاينة سلطان الاستحقاق الذي يعطيه الأجر إذ كان معاوضة عن عمل متقدم مضاف إلى العبد فلا أجر إلا ويخالطه نور لما ذكرناه فإن النشأة على هذا الأصل قامت وذلك أن الجسم الطبيعي لما تركب وظهر بروحه الحساس لو ترك مستقلا لأهلكته الدعوى ولكن جعل الله له روحا ربانيا من نفس الرحمن الذي هو الروح الإلهي فظهرت لطيفة الإنسان نورا فوكلت بالجسم الحيواني فلهذا قرن الأنوار بالأجور حتى تكون المنة الإلهية تصحب هذا العبد حيث كان والله عليم حكيم ولهذا قلنا إن هذا منزل الاختلاط وإن كان يتضمن علوما جمة منها علم حروف المعاني لا حروف الهجاء وهل إذا دخل بعضها على بعض هل ينقلها عن مقام الحرفية إلى مقام الاسمية إذ الحرف لا يعمل في مثله وبماذا يعمل حرف في حرف وليس كل حرف واحد بأقوى من صاحبه مثل دخول من على حرف عن فقد كان حرف عن يعطي معنى التجاوز فصيره حرف من يدل على الجهة والناحية كما يدل الاسم قال الشاعر من عن يمين الحبيا نظرة قبل فالعامل في يمين عن بلا شك ولكن هل عمل فيه عمل الحرفية لبقاء صورته أو عمل فيه عمل الإضافة وهو عمل الأسماء فيكون عمله من طريق المعنى الذي كساه من بدخوله عليه ويكون عن معمولا لمن أو يبقى على أصله فنقول بجواز دخول الحروف بعضها على بعض ونترك عمل الواحد منهما ونجعله زائدا كما نعمله في ما إذا جعلناها زائدة في قوله إذا ما راية رفعت لمجد فما هنا زائدة لأن الكلام يستقل دونها فتقول إذا راية فلا عمل هنا لها وكذلك حرف إن في قول امرئ القيس فما إن من حديث ولا صال فإن هنا زائدة لا عمل لها فيكون ذلك كذلك ولا مانع إذ لو حذفنا عن من قوله من عن يمين لم يختل المعنى ولا يخرج الحرف عن بابه إلى باب الاسمية من غير ضرورة وإذا أبدل الحرف من الحرف هل يعطي معنى ما أبدل منه أو هل يعطي خلافه ومما يتضمن هذا المنزل علم المراكب والركبان وعلم الزمان وعلم شرف الكلام وعلم شرف الذكر على الفكر وكون الحق وصف نفسه بالذكر وما وصف نفسه بالفكر مع أنه أثبت لنفسه التدبير وهو الفكر أو يقوم مقام اللازم له ويتضمن علم الخلق والصفات وعلم البيان وعلم الأحوال وعلم الاستعداد وعلم الإحسان وعلم التجلي الوسط الأوسط الذي بين الذوق والري في مذهب من يقول بالري وعلم ثلج برد اليقين من أين حصل وعلم العبودية لله دون غيره من الأشياء وما لهذه العبودية من الآثار في العلوم وعلم ما يعطيه أداء الواجبات وعلم الآخرة وعلم الهبات من العطايا واختلاف أحوال العطاء وعلم التقوى وأصناف الوقايات وعلم نعيم الأرواح وعلم العرش والرفارف والمنابر والأسرة والكراسي والمراتب وأين حظ كل واحد منها وعلم النقيضين وعلم التداني الأعلى من التداني الأنزل وعلم الظلالات وعلم الانقياد بطريق الذلة وعلم الطواف بالبيت والطائفين ولماذا يطاف به وبماذا يطاف وعلم الاصطلام وعلم اللآلي والسلوك وعلم الرتبة الإلهية والدنياوية وتنوعاتها وما المحود منها وعلم التحجيل وعلم تقديس التجلي وعلم الجزاء الإلهي وعلم تنزيل الغيوب وعلم التكليف وعلم الإرادة وعلم التبديل والإبدال وعلم الاختصاص وفي كل صنف مما ذكرناه من العلوم علوم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية
وهذا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه وممن تحقق به من الشيوخ حمدون القصار وأبو سعيد الخراز وأبو يزيد البسطامي وكان في زماننا هذا أبو السعود بن الشبل وعبد القادر الجيلي ومحمد الأواني وصالح البربري وأبو عبد الله الشرفي ويوسف الشبريلي ويوسف بن تعز وابن جعدون الحناوي ومحمد بن قسوم وأبو عبد الله بن المجاهد وعبد الله بن تاخمست وأبو عبد الله المهدوي وعبد الله القطان وأبو العباس الحصار وما يضيق الكتاب عن ذكرهم
كل من أقسم بالخلق فما . . . يلزم الحنث له مهما حنث
فأنا أقسم بالله الذي . . . أسكن الأرواح أجداث الجثث
صفحة ٣٥