1676

لما حاصره طاهر، فخرج ذات ليلة من قصره يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه فصار إلى قصر القرار[ (1) ]فقال لي: يا إبراهيم!أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر في السماء وضوءه في الماء فهل لك والشرب؟فقلت: شأنك وما تريد جعلني الله فداك!فدعا برطل من نبيذ فشربه، ثم أمر بسقيته مثله، فابتدرت أغنيه من غير أن يسألني لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كان يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟فقلت: ما أحوجني إلى ذلك!فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها صعب[ (2) ]، فتطيرت من اسمها ونحن في ذاك الحال الذي نحن فيه من الضيق والحصر، فلما صارت بين يديه قال: غني!فغنت[ (3) ]بشعر النابغة الجعدي:

كليب لعمري[ (4) ]كان أكثر ناصرا # وأيسر ذنبا[ (5) ]منك ضرج بالدم

قال: فاشتد عليه ذلك البيت الذي غنته له ثم تطير منه، فقال: غني غير هذا!فغنت[ (6) ]:

أبكي فراقهم عيني فأرقها # إن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم # حتى تفانوا وريب[ (7) ]الدهر عداء

فقال لها: لعنك الله!أما تعرفين تغني غير هذا؟فقالت: يا سيدي!ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه، وما هو إلا شيء جاءني، ثم أخذت في غناء آخر:

أما ورب السكون[ (8) ]والحرك # إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار ولا # دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك # قد انقضى ملكه إلى ملك

[ (1) ]عن الطبري 8/476 وبالأصل «فصار إلى قصر الفرات » وهو في قرنة الصراة، أسفل من قصر الخلد.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/479 «ضعف» .

[ (3) ]في مروج الذهب: فوضعت العود في حجرها وغنت.

[ (4) ]عن الطبري 8/477 وابن الأثير 4/132 ومروج الذهب، وبالأصل «كلبت غيرى» .

[ (5) ]في مروج الذهب: حزما.

[ (6) ]البيتان في الطبري وابن الأثير.

[ (7) ]عن المصدرين وبالأصل «رب» .

[ (8) ]عن الطبري ومروج الذهب وابن الأثير وبالأصل «السماء» .

صفحة ٤١١

كتاب الفتوح | أصول