250

ومعنى أتاه الله الملك هو إعطاه الله وإياتاؤه الملك إبراهيم، ومعنى إيتائه فهو حكمه له به، فلما أن بعثه الله عز وجل إلى الخلق داعيا وإلى الحق هاديا كان صلوات الله عليه متبوعا لا تابعا وآمرا لا مأمورا ملكه أمر الخلق ونهيهم إن أطاعوه أصابوا حظهم ورشدوا في أمرهم فكان الأمر والنهي لإبراهيم بحكم الله والملك له خالصا، فكان حاله في مخالفتهم له وبعدهم عنه كحال من أعطى شيئا وولي(1) عليه فاغتصبه غيره فانتزعه من يديه، والمالك المغصوب بتمليك مالكه له والغاصب ظالم لا ملك له، قال الله سبحانه: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}[الحج:41].

فقال: {الذين إن مكناهم في الأرض} فذكر تمكينه لهم في الأرض

جميعا، وقد رأينا أنبياء الله وأولياءه لا يملكون من الأرض إلا يسيرا، وإنما أراد عز وجل الذين حكمنا لهم بها ومكناهم من ولايتها وأمرناهم بالقيام فيها وإذا حكم تبارك وتعالى لعبد من عبيده بذلك فقد مكنه منها وأمره فيها وليس اغتصاب الظالم وظلمه لهذا المحق بمزيل ما جعل الله له من التمكين لا حجة على جمعهم لله سبحانه يأخذهم لمخالفته ويعاقبهم على مناوأته وترك نصرته، والقيام معه، فلما أن عاقبهم في مخالفتهم له كان الممكن في أمرهم والمحكوم عليهم بطاعتهم والمفوض إليه أمرهم صار المحكوم له بالأرض الواجبة طاعته المفروض اتباعه.

[تفسير قوله تعالى: وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة]

(2)وأما ما ذكرت واحتججت به في قول الله سبحانه: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة}[القصص:76]، فقلت: إذا آتاه الله ذلك فكيف تجوز مقاتلته؟

صفحة ٢٥٧