مقر حضرة السلطان السابق، فحاول رجال الحرس صدهم وأعياهم ذلك، فأطلقوا عليهم الرصاص وقتلوا منهم نفرا وجرحوا طائفة، فأوجسنا من ذلك الخبر شرا وخفنا أن يكون نتيجة ما سبق من المقدمات في عهد ساكن الجنة عبد العزيز. ثم جاءنا في غد ذلك اليوم بيان أزال ذلك الخوف وأبعد الإيجاس، وهو أن الذين هجموا على السراي كانوا من المهاجرين، فترددنا بين تصديق الأول والثاني، ورجحنا جانب الثاني بدليل ما جاء بعده من أن جماعة من أولئك المهاجرين قد ساروا إلى الباب العالي يطلبون الإعانة، وحملنا فتنتهم على الحاجة والفاقة. ثم ما لبثنا أن جاءنا بالتلغراف ما أفسد الظن وأعاد الإيجاس من أن علي سعاوي أفندي أحد زعماء تركيا الجديدة كان في مقدمة الهاجمين على السراي، وأن رجال الحرس قد قتلوه، فأيقنا أن هذه الفتنة هي من آثار تلك الحركة المتعلقة بسلسلة الحركات الفكرية التي ستغير لا محال عاجلا أو آجلا هيئة الكرة الأرضية ونظام الجمعية الإنسانية. (2) الأمة
الأمة والجيل من كل حي ومن الرجل قومه، وفي عرف أهل السياسة الجماعة المتجنسة جنسا واحدا الخاضعة لقانون واحد. وليس المراد بوحدة الجنس التوفيق بين الأنساب لتعذر ذلك فيها، ولما طرأ على أنساب الناس ولا سيما الحضر من المفاسد الكثيرة الناشئة عن تخالط أقوام مختلفة أنسابهم، وتوالي الحروب والغارات، وتوطن بعض الفاتحين فتوحهم وتزوجهم في أهلها، إلى غير ذلك مما جهلت به الأنساب وخفيت به الأحساب إلا ما حفظ بمناسبة أهله عن أن يدانيهم فاتح غريب ، وهو قليل لا يقاس عليه. وإنما المراد بوحدة الجنس اتفاق الجماعة على الاعتزاء إلى جنس واحد يتوالدون فيه ويتسمون به، كالجنس الأميركاني لسكان الولايات المتحدة الأميركية سواء كانوا إنكليزا أو فرنسويين أو إسبانيين أو أميركانيين أصلا، والعثماني لسكان البلاد العثمانية في أوروبا وآسيا سواء كانوا تركا أو عربا أو تترا أصلا، والأوستري لسكان سلطنة أوستريا سواء كانوا ألمانا أو صقالبة أو إيطاليين أصلا، وهلم جرا.
وقد زعم بعض الناس أن من لوازم وحدة الأمة وحدة لغتها، وهو وهم؛ لأنه إما أن يراد بذلك الاستدلال باللغة على الجنس أو لا، فإن كان الأول فهو فاسد لأنه قد يولد الإنسان بين قوم وينبت فيهم فيتكلم بلغتهم وهو بعيد عنهم نسبا، ولأن ما ذكرنا من تخالط الأقوام واغتراب الفاتحين قد أحدث في لغات كثيرة من جماعات الناس فسادا بحيث صارت مزيجا يعجز أبرع الكيماويين عن تحليله كما في لغة أهل مالطة مثلا، فامتنع بذلك الاستدلال باللغة على الجنس. وإن كان الثاني فهو من قبيل إيجاب ما ليس بواجب، ولو اقتصر أهل هذا الرأي على استحسان وحدة اللغة في الأمة لأحسنوا.
4
فقد ثبت بما ذكر أن الأمة هي الجماعة من الناس تتجنس جنسا واحدا؛ أي تتسم بسمة واحدة على اختلاف أصولها ولغاتها، وتتعارف باسم تنتسب إليه وتدافع عنه. (3) حد الوطن
أما الوطن فهو المسكن يقيم به الإنسان، وفي عرفهم البلاد يتوطنها سواد الأمة الأعظم ويتوالدون فيها، ولا يشترط فيه مساحة بدرجات معينة وإقليم واحد بتخوم معروفة، وإنما تعريفه ما ذكر من توطد معظم الأمة به. وقد يضاف إلى الوطن بلاد لم تكن منه، وهي إما أن تكون فتوحا ضمت إليه عنوة، وإما أن تنضم إليه برضى أهلها. فإن كان الأول فإما أن يكون ضمها قديم العهد، وتكون معاملة حكومة الوطن لها معاملتها لسائر أهله فتثبت الملكية، وإما ألا تكون هذا ولا ذاك فلا تثبت، وإن كان فلا مشاحة في صحة الانضمام. ... لا بد لذوي الحياة السياسية من وحدة يرجعون إليها ويجتمعون عليها اجتماع دقائق الرمل حجرا صلدا، وإن الوطن إنما هو خير وجوه الوحدة لامتناع الخلاف والنزاع فيه ...
الوطن في اللغة محل الإنسان مطلقا؛ فهو السكن بمعنى أن تقول: استوطن القوم هذه الأرض وتوطنوها؛ أي: اتخذوها سكنا. وهو عند أهل السياسة: مكانك الذي تنسب إليه ويحفظ حقك فيه ويعلم حقه عليك، وتأمن فيه على نفسك وآلك ومالك. ومن أقوالهم فيه: لا وطن إلا مع الحرية. وقال لابرويير الحكيم الفرنسوي: «لا وطن في حالة الاستبداد.» وكان حد الوطن عند قدماء الرومانيين: المكان الذي فيه للمرء حقوق وواجبات سياسية.
وهذا الحد الروماني الأخير لا ينقض قولهم: لا وطن إلا مع الحرية، بل هما سيان؛ فإن الحرية إنما هي حق القيام بالواجب المعلوم، فإن لم توجد فلا وطن لعدم الحقوق والواجبات السياسية، وإن وجدت فلا بد معها من الواجب والحق، وهما شعار الأوطان التي تفتدى بالأموال والأبدان، وتقدم على الأهل والخلان، ويبلغ حبها في النفوس الزكية مقام الوجد والهيمان.
أما السكن الذي لا حق فيه للساكن ولا هو آمن على المال والروح فغاية القول في تعريفه أنه مأوى العاجز ومستقر من لا يجد إلى غيره سبيلا. (4) الوطنية
وقد اختلف في سبب حب الوطن، فقيل: إن السبب فيه الألفة؛ فإن الإنسان إذا ألف شيئا أحبه. وأجيب بأنه يخرج الإنسان من وطنه صغيرا فينبت في آخر ولا ينسى مع ذلك حب وطنه. وقيل: إن حب السكان يورث حب المكان، كما قيل:
صفحة غير معروفة