وبنا تجلى الكروب والعنا
وضعف هذين البيتين يصف قائلهما ومبلغ ثقافته، لكن هذه العقلية تصور عقيدة كثيرين من زوار قبر حمزة، وعقيدة كثيرين من المسلمين في أنحاء الأرض المختلفة، ولهؤلاء جميعا من العذر أن الذين خيم على عقولهم الجهل قد طبعوا على عبادة القوة، وعلى عبادة البطولة، فهم يخلعون على أبطال الماضي من صفات العبادات ما يجعلهم في حكم الأرباب، وما يدعو هؤلاء الضعفاء أن يتخذوهم إلى الله زلفى، وهذا أمر ينكره الإسلام حين ينكر على الناس أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، الأموات والأحياء في ذلك سواء؛ والإسلام ينكره لأنه ينكر أن يتجه إنسان بالعبادة لغير الله. ليكن غيره من الناس بطلا وليبلغ من البطولة كل ما يتصوره الخيال، فهو إنسان مثلنا، عبد لله كعبوديتنا له، ونحن وهو أمام الله سواء، أكرمنا عند الله أتقانا، بل ليكن الإنسان أعظم من بطل، ليكن نبيا ورسولا وداعيا إلى الخير بإذن الله وسراجا منيرا، فهو بعد إنسان، له إكبارنا وإكرامنا واحترامنا، وعليه صلواتنا، لكنه بشر مثلنا، عبد لله كعبوديتنا له، وهو أقرب إلى الله الذي اصطفاه، لكنه في حاجة إلى مغفرة الله له كحاجة الإنسان إلى مغفرة الله له.
ينكر الإسلام إذن عبادة القوم وعبادة البطولة، وكل عبادة لغير الله، وإنما يدعو الإسلام إلى الأسوة، والله - تعالى - إذ يتحدث عن رسوله
صلى الله عليه وسلم
يقول:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، والإسلام إذ يدعو إلى الأسوة إنما يدعو إلى مجاهدة المرء ضعف نفسه وإلى دأبه للسمو بها؛ كي تبلغ مكانة القديسين والأولياء المقربين، وتطهيرها لذلك من كل أسباب الحوبة والإثم، والإسلام يفتح الباب واسعا لكل من أخلص لله وجهه أن يصل بالتقوى إلى هذه المكانة، حرا قرشيا كان أو عبدا حبشيا. ومعرفة الله معرفة حقة هي باب التقوى، والمعرفة لا تجعل التقوى في الضعف ولا في الخوف، بل في العلم بسنة الكون والوقوف على أسراره والاتصال بما جل ودق منه وإدراك حكمة الله لذلك فيه، ولنا في الذين بلغوا من هذه المعرفة أسمى درجاتها الأسوة، فإن أضلهم علمهم فلن يضل العلم مسلما عرف أن سنة الله لا تبديل لها، وأن معرفتها عبادة له هي خير أنواع العبادة، وذلك ما كان يفهمه المسلمون الأولون من الأسوة الحسنة؛ لذلك لم يلبثوا حين طوع لهم إيمانهم فتح الأمصار وحكم الأمم أن اتخذوا من علمائهم أساتذة عهدوا إليهم بنقل علوم الطب والفلك وتقويم البلدان ونقل كتب الفلسفة اليونانية والوقوف من ذلك كله على كل ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية في عصرهم، بذلك أقاموا منارة الحضارة في العالم، وعملوا لهدى الإنسانية إلى نور العلم وما يهدي هذا النور إليه من توحيد الله الحق.
أما والإسلام ينكر عبادة القوة وعبادة البطولة وكل عبادة لغير الله ويدعو إلى الأسوة الحسنة، فمن الواجب على الذين يزورون قبر حمزة أن يلتمسوا فيه هذه الأسوة، وأن يعلموا أن الله يجزيهم بجهادهم لبلوغ الغاية منها، ولا يجزيهم لمجرد الزيارة والتبرك والدعاء، فإنما يجزي الله العامل بعمله، فمن يعمل صالحا يجز به، وأسوة حمزة هي الجهاد في سبيل الله، له المثل الأعلى، وبذل الحياة لدفع من يصد عن سبيل الله ابتغاء العاجلة من حكم أو سلطان.
نسي المسلمون هذا المعنى في كثير من العصور، ولا يزال أكثرهم ينساه، واتخذت بعض الأمم الإسلامية ملوكها أربابا، وجعلت من بعض الصالحين فيها أولياء اتخذتهم إلى الله زلفى، ولهؤلاء وأولئك بنت القباب وأقامت عليها المساجد، لا تقصد تخليد ذكراهم ليكون في الذكرى للأجيال أسوة ومثل، بل تقصد أن تكون القباب والمساجد محاريب لعبادتهم والتوسل بهم إلى الله، إلى ذلك قصد الذين أقاموا على قبر حمزة قبة ومسجدا، وكتبوا عليه من الشعر ما أثبتنا هنا بعضه وتركنا سائره، ولو أنهم أقاموا القبة والمسجد للأسوة والذكرى لكان ذلك خيرا، ولحق لهم الثناء على نيتهم وعملهم، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
لم يبق لقبة حمزة ولا لمسجده اليوم أثر، فقد عفا الوهابيون عليهما ثم أقاموا مكانهما القبر الذي وصفت، وكان المسجد قبل هدمه محكم البناء خاليا من الزخارف، به قبة فوق مقصورة أسدل عليها ستر من أستار الكعبة - كذلك يقول صاحب مرآة الحرمين في وصفه، وأم الخليفة الناصر العباسي هي التي شيدت مسجد حمزة عام 590 للهجرة، وقد أمر الأشرف قايتباي فزاد شاهين الجمالي في جهته الغربية وحفر له بئرا يرتفق بها المارة، وجعل لها درجا، وأتم ذلك في سنة 893، وكان المسجد قائما فوق القبر حيث يقوم البناء الأسطواني الوهابي اليوم.
وقد اختلف في موضع القبر؛ أهو اليوم في المكان الذي دفن به حمزة بعد مصرعه في أحد أم هو في مكان غيره؟ وتذهب رواية إلى أن حمزة دفن في المكان الذي صرع به، حتى إذا كان القرن الرابع انحط من جبال الطائف سيل جارف اجتاز المدينة ومر بقبر حمزة وكشف عن ساقيه، فنقل إلى الربوة التي بها القبر اليوم، وكان عليها المسجد حتى هدم، وتذهب رواية أخرى إلى أنه صرع تحت جبل الرماة، وهو جبل عينين، وأن النبي أمر بجثمانه فنقل من بطن الوادي إلى الربوة التي عليها القبر الآن، فالمدفن غير المصرع، ويريد بعضهم التوفيق بين الروايتين فيذكر أن الربوة التي نقل الجثمان إليها في أعقاب الغزوة قد تكون غير الربوة التي نقلت إليها الرفات في أوائل القرن الرابع، وهذا التوفيق ليس له عندي ما يقتضيه، فلئن كان جثمان حمزة قد نقل في أعقاب الغزوة لهو اليوم في المكان الذي نقل إليه يومئذ، فهو قريب من المقبرة التي دفن بها سائر شهداء أحد، وهم قد دفنوا في ميدان المعركة، وليس بين مقبرتهم والمكان الذي يقال: إنه مصرع حمزة ما يدعو إلى نقل جثمانه غير مرة.
صفحة غير معروفة