وعلى ذلك فالموسيقى في مذهب ليبنتس هي حساب لا شعوري، أو هي علاقة محسوسة بين أعداد مرتبة حسب مسافات وأنماط صوتية تبعث المتعة في النفس. ولقد حرص ليبنتس بوجه خاص على أن يشير إلى أن الموسيقى إنما هي مظهر للإيقاع الذي يسود الكون، وأن النفس تستجيب لتأثيرها دون وعي منها؛ فالموسيقى تعكس نظام الكون وتنوعه، وعن طريق إيقاعاتها النابضة وتوافقاتها السارة نشعر عيانيا بأن الله خلق العالم وفقا لأفضل خطة ممكنة؛ أي إنه خلق العالم، بحيث يجمع بين أعظم تنوع ممكن وأعظم نظام ممكن. مثل هذا العالم، في رأي ليبنتس، هو الذي صوره كبار الموسيقيين بما في موسيقاهم من تنافر وانسجام.
5
وقد أعلن أديسون
Addison
في القرن الثامن عشر، مذهبا جماليا في الموسيقى ترجع جذوره إلى الامتزاج الفيثاغوري بين الرياضة والصوت؛
6
فهو يؤمن بأن المتعة التي نستمدها من الموسيقى، أو السرور الذي تبعثه الأنغام الموسيقية بما تثيره من خيال، هما بالفعل حسيان، ولكنه انتهى من ذلك إلى أننا عندما ندرك الجميل بالحدس، فإن تلك هي إحدى الوسائل التي يتبعها الخالق لكي يكشف لنا صنعته المحكمة، وإذن فالموسيقى ذاتها وسيط حسي للتعبير، ينطوي على مضمونات أخلاقية تبعث على التأمل الديني.
ولقد كان فولتير
Voltaire (1694-1778م) وأديسون متفقين في كراهيتهما للأوبرا الإيطالية السائدة في أيامهما، فقد وصفها أديسون بأنها فن يفتقر إلى الوحدة والتآلف. ورأى فولتير أن من المضحك أن يستمع المرء إلى البطل، وهو يغني «آريا» طويلة في الوقت الذي تنهب فيه مدينة، ثم كتب يقول: «وأي شيء أسخف من أن يختم كل منظر بواحدة من هذه الآريات التي لا علاقة لها بما قبلها أو بعدها ... والتي تقضي على اهتمامنا بالدراما، لكي تتيح الفرصة لحنجرة مخنثة، حتى ترفع عقيرتها بالترعيش والتقطيع، على حساب الشعر والذوق السليم.»
7
صفحة غير معروفة