العمل ثوابًا وعقابًا؛ كالتنفيس بالتنفيس، والتيسير بالتيسير، والستر بالستر، والعون بالعون، والطريق بالطريق، ونظائر ذلك كثيرةٌ في أحكام الدنيا والآخرة، وكان قياس ذلك قطع فرج الزاني؛ إذ هو محل الجناية، لكن لما كان آلةً للتناسل الحافظ للنوع الإنساني. . كانت مراعاة بقائه أصلح.
وهذا مؤذنٌ بعظيم فضل السعي في طلب العلم، ويلزم منه عظيم فضل الاشتغال به، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأظهر من أن تشهر.
ثم المراد بتسهيل تلك الطريق: تسهيل العلم الذي طلبه وتيسيره عليه؛ لأن العلم طريقٌ موصلٌ إلى الجنة، أو تسهيل الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته ودخول الجنة، أو تسهيل علومٍ أُخر توصله للجنة، ومنه: "مَنْ عمل بما علم. . أورثه اللَّه علم ما لم يعلم" (١).
أو تسهيل طريق الجنة الحسِّي يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال؛ فإن العلم يدل على اللَّه تعالى من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه. . وصل إلى اللَّه تعالى وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة في الدنيا والآخرة؛ إذ لا طريق إلى معرفته ورضاه إلا بالعلم النافع، وهو العلم باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته وإجلاله ومحبته ورجائه.
وهذا أول علم يرفع كما قاله عبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه (٢)، وبعده يبقى علم اللسان حجة، فيتهاون الناس به حتى حملته، ثم يذهب هذا أيضًا، لكن
(١) ذكره في "الدر المنثور" (٢/ ١٢٣) وعزاه لأبي نعيم في "الحلية" عن سيدنا أنس ﵁.
(٢) أخرج الحاكم (١/ ٩٩)، والترمذي (٢٦٥٣) عن سيدنا أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: "هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء" قال: فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول اللَّه؛ وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فواللَّه؛ لنقرأنه ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا؟! فقال: "ثكلتك أمك يا زياد؛ إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟! "قال جبير -أحد رواة الحديث-: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت له: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ وأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثك بأول علم يرفع من الناس: الخشوعُ، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا.
1 / 574
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]