وأخرج ابن ماجه والبزار: "ما من يومٍ ولا ليلةٍ ولا ساعةٍ إلا للَّه فيها صدقة يمنُّ بها على من يشاء من عباده، وما مَنَّ اللَّه على عبده مثلَ أن يلهمه ذكره" (١).
(قالوا: يا رسول اللَّه؛ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) استبعدوا حصوله بفعلٍ مستلَذٍّ نظرًا إلى أنه إنما يحصل غالبًا في عبادةٍ شاقةٍ على النفس مخالِفةٍ لهواها.
(قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزر؟!) أي: إثم (فكذلك إذا وضعها في الحلال؛ كان له أجرٌ) بالرفع، وروي بنصبه، وهما ظاهران.
وظاهر إطلاقه: أن الإنسان يؤجر في جماع حليلته مطلقًا، وبه قال بعضهم، لكن حديث أحمد الآتي قريبًا ظاهرٌ في تقييد ذلك بنية طلب ولدٍ يُربِّيه ويؤدِّبه ويحتسبه عند موته، وكنيَّتِهِ نيةُ إعفاف فرجه، ويؤيد هذا: أنه جاء في رواياتٍ كثيرةٍ: أن نفقة الرجل على أهله -زوجته وعياله- صدقة (٢)، لكنه قيَّد في رواية مسلم بقوله ﷺ: "وهو يحتسبها" فدل على أن شرط ثواب الصدقة احتسابها، وإذا كان هذا في الإنفاق الواجب. . فأَولى الجماع المباح.
وفي روايةٍ في "الصحيحين": "إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" (٣) فيه دليلٌ لجواز القياس، سيما قياس العكس المذكور فيه؛ وهو: إثبات ضد الحكم لضد الأصل، كإثبات الوزر المضاد للصدقة للزنا المضاد للوطء المباح (٤)؛ أي: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، ومنه قول ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا. . دخل الجنة" وأنا أقول: من مات يشرك باللَّه شيئًا. . دخل النار (٥).
(١) مسند البزار (٣٨٩٠) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٥١)، ومسلم (١٠٠٢) عن سيدنا أبي مسعود البدري ﵁.
(٣) صحيح البخاري (٥٦)، وصحيح مسلم (١٦٢٨) عن سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٤) قوله: (كإثبات الوزر. . . إلخ) الظاهر: أن هذا مثالٌ لإثبات ضد الحكم لضد الأصل، والحاصل: أن المثبت أولًا حكم لشيءٍ؛ وهو الوزر للزنا، والمفرَّع عليه إئبات ضد هذا الحكم؛ وهو الأجر لضد هذا الأصل؛ وهو الوطء المباح، تأمل. اهـ "مدابغي"
(٥) أخرجه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٢) عن سيدنا ابن مسعود ﵁، واللفظ الذي ذكره الشارح =
1 / 440
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]