(فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) تفريعٌ على ما مهَّده ﷺ من كتابة السعادة والشقاوة عند نفخ الروح مطابقين لما في العلم الأزلي؛ لبيان أن الخاتمة إنما هي على وفق تلك الكتابة، ولا عبرة بظواهر الأعمال قبلها بالنسبة لحقيقة الأمر وإن اعتبر بها من حيث كونها علامة كما يأتي بسطه، إما لكفره (١)، فيكون دخولَ خلودٍ، وإما لمعصيته، فيكون دخول تطهيرٍ، قال القاضي وغيره: وهذا نادرٌ جدًا؛ لخبر: "إن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، وفي رواية: "تغلب غضبي" (٣)، بخلاف ما بعده؛ فإنه كثيرٌ، فلله الحمد والمِنَّة على ذلك.
(وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب) بالمعنى السابق (فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها) أي: بحكم القدر الجاري عليه في هذا وما قبله، المستند إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير، فمن سبقت له السعادة. . صرف اللَّه تعالى قلبه إلى خيرِ يختم له به، وعكسه بعكسه.
وفي بعض روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمال بالخواتيم" (٤)، و: "الأعمال بخواتيمها" (٥).
وفي حديثٍ صحيحٍ: "اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (٦) أي: فذو السعادة ميسرٌ لعمل أهلها، وذو الشقاوة ميسرٌ لعمل أهلها، وهذا أيضًا فيه إشارة إلى تصريف كلٍّ في أفعاله إلى ما يراد به بحسب القدر الجاري عليه، المستند إلى سابق العلم به بحسب خلق تلك الدواعي والصوارف فيه، المشارِ إليه بقوله ﷺ:
(١) أي: فيدخلها إما لكفره. . . إلخ.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٥) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٣) عند البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٤) عن سيدنا أبي هريرة ﵁. وقوله: (تغلب غضبي) قال شارحه: المراد بالغلبة: سعة الرحمة وشمولها للخلق؛ كما يقال: غلب على فلانٍ الكرم؛ أي: هو أكثر خصاله، وإلَّا. . فرحمة اللَّه وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادة عقوبة العاصي وإثابة الطائع، وصفتاه لا توصفان بغلبة إحداهما على الأخرى، وإنما هو على سبيل المجاز للمبالغة. اهـ "مدابغي"
(٤) عند البخاري (٦٦٠٧) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٥) عند البخاري (٦٤٩٣) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧/ ٧) عن سيدنا علي ﵁.
1 / 212
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]