فلا تجب في عبادةٍ لا تكون عادةً ولا تلتبس بغيرها (١)؛ كالإيمان باللَّه ﷾، والمعرفة، والخوف، والرجاء، والنية، والقراءة، والأذكار، حتى خطبة الجمعة على الأوجه؛ لتميُّزها بصورتها مع لزوم التسلسل أو الدور لو توقفتِ النيةُ على نية، ولزوم التناقضِ المحالِ لو توقفتِ المعرفةُ عليها؛ إذ هي قصد المنوي، ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفًا باللَّه تعالى قبل معرفته له، فيكون عارفًا به غير عارفٍ به في حالةٍ واحدةٍ.
نعم؛ تجب في قراءةٍ نَذَرها ومثلها كما هو ظاهرٌ كل ذِكْرٍ نذره؛ ليتميز الفرض حينئذٍ من غيره، ولا تجب في التروك؛ كترك الزنا إلا لحصول ثواب الترك (٢)؛ لأن القصد اجتناب المنهي، وهو حاصلٌ بانتفاء وجوده وإن لم تكن نية.
ولتردد إزالة النجاسة بين الفعل والترك اختلفوا في اشتراطها فيه، ورجَّح الأكثرون عدمه تغليبًا لمشابهة التروك؛ إذ هي أقرب إليها منها إلى الفعل، وألحقوا به غسلَ الميت؛ إذ القصد منه التنظيف، والخروجَ من الصلاة؛ لأنه تركٌ أيضًا، ولا تجب نيةُ تفرقةِ صومِ نحو التمتع (٣).
واستشكل بنية الجمع في جمع التقديم، ومن ثَمَّ اختار البُلقيني عدمَ وجوبها فيه أيضًا، ويرد: بأن الجمع ضم إحداهما إلى الأخرى، فهو فعلٌ حقيقة، بخلاف التفريق؛ فإنه تركٌ حقيقةً، أو أقرب إلى الترك، فاتضح ما قالوه، وبطل ما اختاره.
وإنما لم تجب في جمع التأخير؛ لأن وقت الثانية يصلح للأولى من غير عذرٍ، بخلاف عكسه، وعند عدم الصلاحية لا بد من نيةٍ تُميزه عن التلاعب.
ومطلق النية في كلامه ﷺ وكلام السلف والعارفين يُراد بها غالبًا
(١) في أكثر النسخ: (أو لا تلتبس بغيرها) وقد قال الإمام المدابغي رحمه اللَّه تعالى: (ولعل "أو" بمعنى الواو؛ أي: فلا تجب النية في عبادة لا تكون عادة ولا تلتبس بغيرها. . .).
(٢) ومن ههنا يؤخذ حصول الثواب للحائض بترك الصلاة والصوم إن قصدت الامتثال بالشارع وكذا غيره، فاحفظه فإنه مهمٌّ. اهـ هامش (غ)
وفي هامشها أيضًا: (فإن قلت: الصوم من التروك؛ لأنه كفٌّ عن تعاطي المفطر مع أنهم أجمعوا على وجوب النية فيه. . أُجيب بأن الصوم إمساكٌ، والإمساك يقع عادةً وعبادة، فاحتيج لنيةٍ تميز بينهما).
(٣) أي: فيما إذا فاته صيام ثلاثة أيام في الحج؛ فالأصح عند ذلك: وجوب التفريق بينها وبين السبعة، ولكن لا تجب النية. انظر "النجم الوهاج" للإمام الدميري رحمه اللَّه تعالى (٣/ ٥٧١ - ٥٧٢).
1 / 125
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]