قليلين وكثيرين، والمراد به على هذا قلة العدد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١).
وقد جوز أن تكون القلة هنا بمعنى العدم، كما تقول: قَلَّ الشيء، أي: لم يوجد، والناصب له على هذه الأوجه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
و﴿مَا﴾: صلة للتوكيد. ولا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ هنا مصدرية، لأن قليلًا يبقى بلا ناصب.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون نافية، كما زعم بعضهم (٣)، وهو جيد من جهة المعنى؟ قلت: لا، لأن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه، لا أعرف في ذلك خلافًا عند أهل هذه الصناعة (٤)، فهو وإن كان صالحًا من جهة المعنى، لكن فاسد من جهة الإعراب لما ذكرت آنفًا، فاعرفه.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾:
قوله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (مِن عِندِ الله): في موضع رفع على أنه صفة لقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ تعلق بمحذوف.
﴿مُصَدِّقٌ﴾: نعت لكتاب، وقرئ: (مصدقًا) بالنصب (٥) على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾، لكونه قد وصف بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ولك أن تجعله
(١) سورة هود، الآية: ٤٠.
(٢) انظر هذه الأوجه جميعها وغيرها في البحر المحيط ١/ ٣٠١ - ٣٠٢، والدر المصون ١/ ٥٠٢.
(٣) هو العكبري في التبيان ١/ ٩٠.
(٤) في الدر المصون ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣: لم يجزه البصريون، وأجازه الكوفيون.
(٥) في المحرر الوجيز ١/ ٢٨٩: وروي أن في مصحف أبي بن كعب ﵁ (مصدقًا) بالنصب. وكذا قال أبو حيان ١/ ٣٠٣، وأضاف: وبه قرأ ابن أبي عبلة.