إنه لمن الخطأ أن نفترض أنه ما دام المجتمع لا يمكن أن يؤثر في الفن مباشرة فهو لا يمكن أن يؤثر فيه على الإطلاق. إن المجتمع يمكن أن يؤثر في الفن بشكل غير مباشر؛ فمن الجلي أنه إذا اعتبر خلق الأعمال الفنية جريمة عظمى فإن كمية النتاج الفني، إن لم تكن كيفيته، سوف تتأثر. وهناك مقترحات أقل همجية، ولكن أشد هولا بكثير، يطرحها من وقت لآخر مخططون حكوميون مثقفون، يريدون ألا يجعلوا الفنانين مجرمين بل موظفين مسئولين ذوي رواتب عالية. ورغم أن إدارة شئون الدولة لا يمكنها أن تفيد الفن فائدة إيجابية، فما يزال بإمكانها أن تجنبه الكثير من أذاها، وإن قدرتها على الأذى لكبيرة. إن الخير الوحيد الذي يمكن للمجتمع أن يسديه إلى الفنان هو أن يتركه وشأنه، أن يمنحه الحرية؛ فكلما تحرر الفنان من ضغط الذوق العام والرأي العام، ومن رجاء المكافآت ووعيد الأخلاق، ومن الخوف من الجوع التام أو الخوف من العقاب، ومن مخايل الثروة أو التقدير الشعبي؛ كان ذلك أفضل له وأفضل للفن، وأفضل بالتالي للجميع.
أطلقوا يد الفنان.
ها هو شيء يمكن أن يفعله للفن أولئك النفر ذوو النفوذ والشأن الذين يؤكدون دائما أنهم يودون أن يقدموا للفن أي شيء.
وبوسعهم أن يبدءوا عملية الرعاية بإلغاء المؤسسية في الفن وتجريده من الأوقاف، وسحب الإعانات من المدارس الفنية، ومصادرة الأموال التي تسيء الأكاديمية الملكية استخدامها. إن قضية المدارس عاجلة؛ فمدارس الفن لا تفعل سوى الأذى (ذلك أنها يتعين عليها أن تفعل شيئا). إن الفن لا يتعلم، وهو على أية حال لا يدرس، وكل ما بوسع مدرس الرسم أن يدرسه هو صنعة التقليد، والمدارس يتحتم فيها أن يوجد معيار للامتياز، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون معيارا فنيا؛ ذلك أن مدرس الرسم يقيم المعيار الوحيد الذي يقدر على استخدامه؛ وهو الأمانة في نقل الأنموذج. ليس بإمكان أي معلم أن يصنع من الطالب فنانا، ولكن بإمكان جميع المعلمين أن يحولوا الصبية والفتيات التعساء الذين خلقوا فنانين بالفطرة إلى دجالين أو متهوسين أو مجرمين أو مجرد حمقى. الغلطة ليست غلطة المعلم، وما ينبغي أن يلام؛ فهو هنا لكي يهيئ جميع تلاميذه لمعيار معين للكفاءة يمكن أن يدركه المفتشون وعامة الجمهور، والصفة الوحيدة التي يمكن لهذا المعيار أن يحكم عليها هو مظهر الصدق
verisimilitude ، والأوجه الوحيدة التي يمكن أن تختلف بين عمل وآخر في نظر شخص فاقد الحساسية كالمعتاد (مثل مفتش لجنة التعليم) هي اختيار الموضوع وأمانة النقل؛ ومن ثم فحتى لو أمكن لمعلم الرسم أن يميز الموهبة الفنية فلن يكون بوسعه أن يرعاها، ليست المشكلة أن معلمي الرسم أشرار بل أن النظام فاسد، وأن مدارس الفن يجب أن تغلق.
وإنني لأجرؤ على القول بأن المال الذي تكرسه الدولة حاليا لإحباط الفن كان أجدى لها أن تعطيه للأغنياء. وقد كنت أود أن أحثها على ادخاره لشراء الأعمال الفنية. غير أن هذا ربما لا يفضي إلى شيء سوى الأذى؛ فمن غير المتصور أن يكون على أي حكومة كانت أن تشتري ما هو أجود من أعمال عصرها؛ فالسؤال هنا هو إلى أي حد يكون شراء الحكومة حتى للوحات القديمة الرفيعة ذا فائدة للفن؟ وهو سؤال لا يستأهل النقاش؛ فرغم احتمال أن تضم حكومة ما بين مستخدميها من هو قادر على تمييز العمل الفني الرفيع (شريطة أن يكون قديما بدرجة كافية) فإن الحكومة الحديثة ستولي عنايتها بمناوأة ذوقهم الرفيع الذي يشكل خطرا. إن اقتناء الدولة للفن القديم الرفيع قد يكون خطة مجدية وقد لا يكون ؛ وإنني لأجرؤ على القول بأنه سوف يكون، ولكن شراء أعمال أساتذة الدرجة الثالثة القدامى، و
objets d’art
لا يمكن أن يعود بأي نفع إلا على التجار. وكما آمل أن أوضح لاحقا، هناك ما يقال من أجل دعم صالات العرض والمتاحف وإثرائها، لو كان بالإمكان تغيير موقف الجمهور وتصور الحكومة تجاه هذه الأماكن. أما بالنسبة للفن المعاصر فتعد الرعاية الرسمية أضمن وسيلة لرعاية كل ما هو فاحش الخبث والحماقة فيه. إن أنصابنا العامة وتماثيلنا والمباني التي تشين شوارعنا والطوابع البريدية والنقود والبورتريهات الرسمية ليست أكثر من طعم للغرائز الدنيا لأراذل طلاب الفن، ومن إغراء هائل لأفاضلهم.
بعض من أولئك الأنبياء الكرماء الذين يقبعون في بيوتهم يحلمون بمجتمعات شيوعية خالصة، بلغت سماحتهم أن يجدوا مكانا للفنان في هذه المجتمعات. إن على ديموس
Demos
صفحة غير معروفة