Arenius
أسقف ليون في القرن الثاني: إن السيد المسيح أنبأ يوحنا الإلهي: أن ستأتي أيام يكون فيها كروم، لكل كرمة منها عشرة آلاف غصن، ولكل غصن عشرة آلاف فرع، ولكل فرع عشرة آلاف عنبة، وتعصر العنبة منها فتدر من الخمر، مائتين وخمسة وسبعين رطلا. •••
هذه الصفات وأمثالها كثيرة فيما كتب وسجل، وفيما وقع في الخواطر والأخلاد بغير كتابة وتسجيل، وكل ما يعنينا منها أنها تعم المعتقدين عموما لا يتأتى إغفاله في خطاب يتجه إلى جميع المعتقدين، ولا يبلغ في النفوس مبلغ اليقين إلا إذا تخلل الشعور وتغلغل في الضمير. •••
وقد رأينا في أول هذا الفصل أن الفلاسفة الذين قالوا ببقاء النفس بعد الموت يقولون بذلك؛ لأنهم وجدوا القول به ضرورة عقلية يستلزمها اختلاف النفوس وحاجة كل منها إلى التطهر والتكمل في حياة بعد هذه الحياة، ووجوب هذا التطهر والتكمل لاستقامة قضاء العدل الإلهي بين الأخيار والأشرار.
فهذا المعنى ملحوظ في تقدير العذاب الذي يبتلى به المذنبون بعد الموت كما قضت به شريعة القرآن الكريم؛ فإن المفسرين كادوا أن يجمعوا على انتهاء عذاب الآخرة إلى الغفران، وأن الخلود والأبد يفيدان الزمان الطويل ولا يفيدان البقاء بغير انتهاء، ويؤيد هذا المعنى حديث رواه البخاري يفصله بأسلوب الخطاب الذي يشرح المعاني بالمحسوسات، ومنه يقول عليه السلام: «... وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار ... فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ... فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة، فينبتون في حافيته كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل منها كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الرحمن ...»
وللنبي عليه السلام أحاديث أخرى في معنى ما تقدم، فحواها جميعا أن العذاب تطهير وتكفير، وأن الأنفس جميعا تتلاقى في حظيرة الرضوان.
فإذا أعطينا أسلوب العقيدة حقه من التعبير، ففي العالم الآخر كما يدين به المسلم رضا للوازع الأخلاقي، ورضا لدواعي التفكير، ورضا لعقيدة الدين.
خاتمة
منذ الحرب العالمية الأولى كثرت في أوروبة وأمريكا مجموعات الفصول التي يبسط فيها كاتبوها آراءهم في العقائد والأديان، ويلخص كل منهم فيها عقيدته التي استخلصها لنفسه، وأحس أنها تناسب تفكيره وعلمه وشعوره بالعالم الذي يعيش فيه وبما يقتضيه أمر الاعتقاد في عصر العلوم «الوضعية» وتجارب الإنسانية الحديثة.
وتشتمل هذه المجموعات غالبا على آراء رجال ونساء، ينظرون إلى الحياة من جوانب شتى، فمنهم العالم والفيلسوف، ومنهم الفنان والمخترع، ومنهم السياسي وصاحب الأعمال، ومنهم من ينظر إلى العالم نظرة وسطى تتلاقى فيها جميع الطوائف، وجميع مذاهب الحس والتفكير.
صفحة غير معروفة