الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)

فؤاد زكريا ت. 1431 هجري
107

الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)

تصانيف

assent ، فهنا أيضا نجد نفس التقابل بين التصديق الحقيقي والتصديق التصوري، أو بين التصديق المطلق والاستدلال، ولسنا في حاجة إلى تتبع تفاصيل هذا الموضوع؛ إذ إن مناقشته كلها تسير في خط مواز لمناقشة الموضوع السابق. ويعني نيومان بالتصديق فعلا ذهنيا لا يمارس فيه العنصر العقلي من طبيعتنا فحسب، وإنما تتضمن فيه شخصيتنا الكاملة، بما فيها من عوامل عاطفية وإرادية، على نحو أقوى بكثير مما يحدث في العنصر العقلي. فالتصديق نوع من الاستجابة الكاملة لموقف فعلي معين أو ظرف خاص، وقد تلعب العلميات المنطقية دورا فيه، غير أن هذا يكون دائما دورا ثانويا، فالتصديق فعل عيني مباشر، وهو فعل شخصي تماما، وليس قابلا للتحليل أبعد من ذلك، وهو في أساسه واحد غير منقسم، ولا يقبل درجات أو فروقا في القوة. وهو مطلق في كل لحظة، وحتى حيث يكون مشكوكا فيه، يكون عنصر الشك متضمنا في القضية أو الواقعة التي يوجه إليها فعل التصديق، لا في فعل التصديق ذاته. والأمر على خلاف ذلك تماما في الاستدلال، الذي هو دائما مشروط وغير مباشر، والذي يمر بدرجات مختلفة من التأكيد، ولكنه لا يتجاوز أبدا اليقين النسبي للاحتمال ليصل إلى اليقين المطلق للتصديق. غير أن هذا الانتقال من الاحتمال إلى التصديق ينبغي أن يتم إذا أردنا أن يكون لنا من الحقيقة نصيب، ولن تساعدنا على تحقيقه أية تجريدات تصورية أو سلاسل منطقية من البرهان والاستدلال. وإنما الذي يلزمنا نوع من الشعور العيني أو النزوع إلى الحقيقة، الذي ينبغي بالتالي أن يرد بأكمله إلى اليقين الذاتي الباطن للروح الفردية، وإلى القرار الشخصي للذهن الذي يدرك ويحكم. مثل هذا القرار ليس ناتجا عن عمليات منطقية مطولة معقدة، وإنما هو يقوم على نوع من الإدراك الحدسي الذي يرتكز، لا على ملكة التفكير في الإنسان فحسب أو على فهمه، وإنما على شخصيته الكاملة؛ ذلك لأن «ما هو برهان بالنسبة إلى ذهن ما، ليس كذلك بالنسبة إلى ذهن آخر، وإن يقين قضية ما ليرتد في الواقع إلى يقين الذهن الذي ينظر فيها.»

ويطلق نيومان على هذه القدرة الذاتية على إدراك الحقيقة، وهي القدرة التي تنطوي على ما يزيد كثيرا على ملكاتنا العقلية بأسرها، اسم «الحس الاستدلالي

illative sense »، وهو يعني بهذا اللفظ المنهج الأصيل للاستدلال، الذي لا يقتصر على استخدام التجريدات المنطقية والعمليات التصورية، والذي نستطيع بفضله، رغم ذلك، أن ندرك الحقيقة ذاتها في كل تراثها وحيويتها، وفي طابعها العيني الفردي. ولكنا هنا إزاء موهبة شخصية، تقتضي تدخل الإنسان بأكمله، لا مجرد ملكة منفصلة بطريقة سطحية، لا تكون بنفسها قادرة أبدا على التعرف على الواقع أو بلوغ الحقيقة، «فليس ثمة معيار نهائي للحقيقة، بمعزل عن الشاهد الذي يواجه به الذهن ذاته الحقيقة.» ولما كان المعيار الوحيد للحقيقة هو اليقين الذاتي للذهن الفردي، كانت موضوعية الحقيقة مبنية على هذه الذاتية، أي على الصواب المطلق لهذا الحس الاستدلالي الذي تفهم به الحقيقة.

هذا العرض السريع للأفكار الرئيسية في نظرية المعرفة عند نيومان يكشف بوضوح عن مدى خطأ أية محاولة تبذل لإيجاد أي ارتباط بين مذهبه وبين النظرية المدرسية، والأصح من ذلك أن يقال: إن جذور مذهبه إنما تكون في المذاهب الكلاسيكية للتجريبية الإنجليزية، وإنه على حين يستمد كثيرا من لوك وباركلي وبطلر، يعمل في الوقت ذاته على إعادة صياغة ما أخذه من هذه المصادر بطريقة حرة، ولا يتخذ موقف الاعتماد الكامل لتنفيذ مخلص (وهذه نقطة لا يتعين علينا مناقشتها بالتفصيل). فكل شيء في مذهبه يتخذ طابعه الذهني الخاص ويمتلئ به، وهو لا يستمد من التراث الذي يتصل به غذاء يتمثله، وإنما يستمد منه جوا ذهنيا يستنشقه. وإلى هذا الحد يمكن القول: إن التراث التجريبي قد طرأ عليه هنا تجديد، ولكن على يد مفكر ليس وثيق الارتباط به، وإنما كان في قرارة نفسه مبتعدا عنه ابتعادا أساسيا.

كذلك يمكن تحديد نقط التقاء بينه وبين أنواع النظريات التالية له، فضلا عن السابقة عليه، مع تحفظات معينة في كل حالة. ومن أمثلة هذه النظريات، «فلسفة الحياة» عند برجسون، والبرجماتزم عند جيمس، غير أن تعاليم نيومان لم تجد في هذه النظريات إلا صدى غير دائم، وفضلا عن ذلك فإن تحليلات نيومان الوصفية الدقيقة والعميقة لظواهر الإدراك والتصديق والاحتمال واليقين تشير مقدما - كما لاحظ «تيودور هيكر

Theodor Hacker »

2 - إلى أوصاف هوسرل الفينومينولوجية، وإن لم يكن من الممكن إثبات أي ارتباط تاريخي بين هذين المفكرين. ومن هذا كله نستنتج أن فلسفة نيومان النظرية كانت تنطوي في ذاتها على عدد غير قليل من الأفكار ذات الدلالة البالغة بالنسبة إلى المستقبل، وهي أفكار لم تظهر بالفعل إلا بعده بوقت طويل، كما نستنتج أنه رغم كل الامتداد العميق لجذورها في الماضي، فقد قامت بدور ملحوظ في التمهيد للتطور التالي للفكر.

ولكنا لو نظرنا إلى نقد نيومان للمعرفة على أن له غرضا نظريا بحتا لكنا بذلك نسيء فهمه؛ فهدفه منذ البداية عملي، أعني إثبات الإيمان الديني، ومن ثم فهو يحتل مكانته في سياق أوسع لا يكتسب معناه الكامل إلا فيه. «فنظرية المعرفة» هي الأساس والمرحلة الأولى بالنسبة إلى «نظرية الدين» التي تنتقل إليها آخر الأمر، ولكن حتى في هذه الحالة بدورها، أي في هذه المشكلة الجديدة التي تواجه نيومان الآن، ينصب اهتمامه الأول والأكبر على الجانب الذاتي للدين، أي على إدراك العنصر الإلهي في الوعي البشري. ومع ذلك ينبغي أن نؤكد أن هذا لا يعني صبغ الدين بالصبغة الذاتية أو نزع الصفة الموضوعية عنه، وإنما يعني فقط أن الاهتمام الأكبر لهذا المفكر ينصب على الجانب الذاتي، فهو في كل الأحوال يسلم بالدين من حيث هو حقيقة موضوعية، ولما كان يؤلف الأساس الثابت لكل إيمان، فإنه لا يقتضي أي دعم نظري مستقل. وإذن فالمشكلة الفلسفية التي تواجه نيومان تؤدي إلى السؤال التالي: على أي نحو يشارك الذهن البشري في الحقيقة الإلهية؟ وبأي الوسائل المعرفية يتمكن من إدراك هذه الحقيقة؟

وعندما يلاحظ نيومان في أحد المواضع أن هناك بالنسبة إلى كل منا حقيقتين نهائيتين فحسب، هما ذاتنا والله، فإنه يقول بالحقيقتين الأوليين اللتين يهتم بهما التفكير الديني، أعني نفس الإنسان والوجود الإلهي. هاتان الحقيقتان ينبغي أن تتميزا عن أي كيان آخر فيما يتعلق بالطابع الخاص لحقيقتهما؛ إذ لا يتصف أي شيء آخر بهذا القدر الرفيع من الشخصية والعينية والفردية والحيوية؛ ذلك لأن نيومان لا يعني بلفظ «الحقيقي» أي موجود بما هو كذلك، وإنما هو يستخدم اللفظ دائما بالمعنى القطعي الذي تدل عليه تلك الصفات الأربع التي عددناها الآن. ومن الواضح، من وجهة النظر هذه، أن حقيقة الله هي أرفع ما يتسنى لتجربتنا الوصول إليه؛ إذ إنها هي العينية وقد رفعت إلى أعلى درجات القوة.

وهكذا نستدل بكل وضوح، من وجهة النظر التي اتخذها نيومان في نظريته هذه، على أنه يرى أن إدراكنا لهذه الحقيقة (وتصديقنا عليها) إنما يتم على نفس النحو الذي يتم عليه إدراكنا للحقيقة العينية بوجه عام، أعني إدراكنا لذاتنا وللذوات الأخرى وللعالم الخارجي. ولكن هذا يعني أن العقل والوظائف العقلية المرتبطة به، لا تقوم وحدها في هذا الصدد بأي دور، أو لا تقوم بأي دور ضئيل، وإننا نحتاج ثانية إلى تدخل الشخصية الكاملة، والجانب العملي فيها على التخصيص، إذا ما شاءت النفس الوصول إلى الحقيقة الإلهية. وفي هذا الصدد يكتب نيومان قائلا: «من المحال أن يكون للبرهان المنطقي دور في الموقف العيني الذي يتعين علي مواجهته.»

صفحة غير معروفة