166

الإيمان بين السلف والمتكلمين

الناشر

مكتبة العلوم والحكم،المدينة المنورة

رقم الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

تصانيف

يجعل العمل جزءًا من الإيمان الذي هو بعينه الإسلام عندهم، وعند بعضهم ملازم له ملازمة الروح للجسد، أما تلك الآراء التي تبعد العمل عن الإيمان ففيها تثبيط للهمم، وتقاعس عن العمل الجاد المثمر، الذي يطلبه الإسلام، مع أنه ينبغي هنا - من باب الإنصاف - أن نفرق بين الرأيين اللذين تضمنا تأخير العمل عن الإيمان. فأحد الرأيين كما اتضح لنا في موضعه، إباحي بالمرة، ينادي صراحة بما يخالف تعاليم الإسلام أمرًا ونهيًا، فيقول للإنسان صدق بقلبك وكفى، ثم اسلك ما شئت من طرق الشر والضلال، وهو ما تضمنه قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وهؤلاء هم غلاة المرجئة، ولا أحد يشك في تفاهة هذا الرأي وخطره على الإسلام.
أما الرأي الآخر الذي تضمن تأخير العمل عن الإيمان، فإنه وقف إلى جانب السلف في إنكار الرأي السالف للمرجئة، إذ قال أصحابه بوجوب الإتيان بالعمل، ومن قصَّر فيه فليعرف أنه في خطر كبير، إذ أنه معرض لعقاب الله تعالى. ولا شك أن هذا الأخير أخف من ذاك، بل هو في نظري مقارب لمذهب السلف في اعتبار الأعمال. وإنما الخلاف في كون السلف يجعلونه ركنًا داخلًا في الإيمان، وأطلقوا عليه اسم الإيمان أما هؤلاء فقالوا ليس ركنًا ولا يطلق عليه إيمان، وهو موضع النقد والمخالفة التي تقدم بيانها. فالخلاف بين هؤلاء وبين السلف لفظي، ولكن لا ينبغي أن يفهم من قولي بلفظية الخلاف أنني أوافقهم، وأقرهم على إخراج العمل عن الإيمان، لأن اللفظ الذي يجب أن يقال ويقرر ما دل الوحي عليه، وهو أن الأعمال جزء من الإيمان، وتسمى إيمانًا.
أما ما استدلوا به على رأيهم من النصوص التي عطفت الأعمال على الإيمان - كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إذ قالوا: إن العطف دليل على المغايرة، فإن هذا غير صحيح أيضًا، فدلالة العطف على المغايرة، ليست في كل حال من أحوال العطف والعطف هنا لا دليل لهم فيه، إذ أنه من باب عطف الخاص على العام، وأمثلته في القرآن كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ

1 / 185