ونحن لما قمنا لله، ودعونا الخلق إلى طاعة الله، لم يصدر ذلك منا إلا مع حضور أنصار وأي أنصار، وفضلاء ليس لعددهم إنحصار، وعهود ممن غاب عنا من أهل البوادي والأمصار، وإظهار رغبة ومحبة عظيمة بقيامنا من الغائبين والحضار، ثم لما دعونا بين الصلاتين من نهار، لم يكن يأتي ذلك اليوم المعهود إلا وقد وفدت الوفود، واجتمع الشاهد والمشهود، ولم نزل منذ تلك الساعة نميت بدعة ونحيي طاعة، وتجتمع بأيدينا الأموال ونحن نخرجها ونصرفها في ذوي الإقلال، ونطعم الطعام، ونتعهد الأرامل والأيتام، ونبلغ سائلنا وآملنا المرام، والناس يدخلون في الطاعة أفواجا ويردون إلى بابنا أفرادا وأزواجا، فنتحكم عليهم في طاعة الله، ونبايعهم على إقامة ما شرع الله، ونرفع العوائد المستفيضة، ونؤسس الفوائد المستصلحة، وهم محبون مطيعون، مجيبون مستمعون، فوق ما تخيله الأوهام وتعلق به الظنون، ومن غاب فالأخبار تنمى إليه، ويرد بها من لم يزوده عليه، وكفى بالموقف المحمود والمقام المشهود الذي لا تبلغه الظنون والوهوم، الواقع بنواحي بلاد الأهنوم، فإنا لما انتهينا إلى تلك الجهات، أهرع إلينا العلماء والفضلاء والأثبات، وبلغ عددهم مئات، لم يزالوا في تنقيرهم وبحثهم واجتهادهم في فهم كمالنا، يوردون علينا غوامض المسائل في الفنون، ويفحصون عن جمعنا لشرائط الإمامة ويجهدون، حتى علموا أن محلنا في ذلك هو المحل الأعلى، وأن قدحنا هو القدح القاهر المعلى، فحينئذ ازدحموا على بيعتنا، وانخرطوا في سلك شيعتنا، وساروا بين أيدينا، وأظهروا ما اطلعوا عليه فينا، وصاحوا بصحة إمامتنا، وبطلان أولي معارضتنا من الأسواق، وكتبوا بذلك الأوراق إلى جميع الآفاق، وهم أفضل علماء الزيدية بالاتفاق، الذين لا يشق(1) لهم غبار في الفضل والعلم، ولا يعلم لهم مدان في الفهم والحلم، والمعارض حينئذ بالقرب منا ومنهم، فلم يلتفتوا ولا عولوا عليه، بعد أن حكمهم وكاتبهم، وراجعهم في شأنه وخاطبهم، فشهدوا عليه أنه على الباطل، وأن جيده عن حلي شروط الإمامة عاطل، ولم يسمع أنه كان في شأن أحد من الأئمة" مثل ذلك المقام، والإجماع من غير اختلاف، والاهتمام مع الإئتلاف، ثم تمت الإجابة واستطالت، وقدم البقية من العلماء والمتعلمين وانتالت، يمرون أيديهم للمبايعة، ولا يتأخرون عن المشايعة، وصرنا نجوب البلاد شرقا وغربا، وننتقل من حال إلى حال بعدا وقربا، والأمة يدخلون في الطاعة قبيلا قبيلا، وجيلا منهم يقفو جيلا، بحيث أنا لم نحتج إلى إراقة دم، ولا رمي بحجر ولا سهم.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتعم البركات، ونسأله المزيد من نعمه وإفاضة سجال فضله وكرمه، وكفاية مرهوب سخطه ونقمه.
صفحة ٤٠١