541

============================================================

قبة من هذه القباب والمضارب إلا وله المرافق من المراحيض والحمامات وغيرها. وأخرج مع ذلك من الذخائر المأخوذة من أقطار الأرض ما يعجز الواصف عن وصفها، وأرخيت الستائر البديعة فكان منها ستارة من الجوخ أخذت من خزائن أبي يزيد بن عثمان، وهي قطعة واحدة عرضها عشرة أذرع بالذراع الحديد، وفيها من التقوش بسائر الألوان صور جميع نبات الأرض وأشجارها وهيئة سائر الحيوانات من الطيور والهوام والوحوش وبني آدم شبابهم وشيوخهم وصبيانهم ونسائهم وصفة القصور العالية والدور الجليلة ومدائن الدنيا وعجائبها، وبيان أسماء جميع ذلك بالكتابة البديعة والعروق اللأعبة، وهذه الستارة إحدى عجائب الدنيا، ونصب تجاه هذه الشرادق على بغد منه بمقدار شوط فرس صيوان(1) يجتمع فيه مباشرو الدولة وأهل الديوان، وهو جثر(2) عال في غاية الارتفاع يزيد طوله في السماء على أربعين ذراعا، وله أربعون قطعة ما بين عواميد وأسطوانات وسواري تشد عليها آركانه، وله فراشون كأنهم الجن يتسلقون إلى أعلاه إذا رفعوه بعد بطحه.

وأخرج أهل المدينة ما عبووه من الزينة فنصبوه تجاه تلك الشرادقات على بعد بقدر مد البصر، وتائق كل فيما وصلت قذرته إليه، واجتهد كل صاحب حرفة فيما يتعلق بحرفته، وبالغ كل من أرباب الصنائع في عمل ما هو من صناعته، فأتوا من أعمالهم بكل عجيبة، وأبدوا من فنونهم بكل نادرة غريبة، حتى أن الذي ينسج القصب أخرج فارسا كامل العدة والأهبة في أخسن زي وأنهى هيئة، حتى أتقن أظافير يديه ورجليه، وهدب عينيه، وأتى بجميع آلاته من القوس والسيف والرؤمح وما يختاج إليه الفارس، وكل ذلك من القصب، فجاء شيئا عجبا، وعمل القطانون مئذنة عالية من القطن في غاية الخسن والإتقان (1) الصيوان: سرادق الملك: (2) الجتر: كلمة فارسية معربة، وتعني المظلة أو الشمسية.

541

صفحة ٥٤١