درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة
============================================================
فلما فحش أمره أخذ ذلك العبد في بعض الأيام يحادثه ويماشيه وهو يتأنس به، حتى مر به بين القصرين، وحاذى المارستان، احتمله وعبر به إلى قاعة المجانين فسجن بها مدة، فصار الناس يذخلون عليه لعيادته، فيحدثهم بأنه فعل مع عبده رشيد حيلة حتى سجن هنا، فعوقب بأن احتال عليه رشيد وأدخله هنا، ويبكي، فيبكي الناس لما يعلمون مما كان فيه وما صار إليه، نعوذ بالله من سوء عاقبة القضاء.
وأخبرني أنه لما توجه في النيل إلى بلاد الصعيد صعد جبلا ومعه مؤدبي شمس الدين محمد الخزرجي فإذا بأعلاء شيء من الذرة ومقثأة مزدرعة، وقد أقبل شخص عليه أطمار رلة، فرحب بهما وأخذ يطعمهما من تلك المقثأة، وذكر أنه في هذا الجبل مدة ثلاثين سنة لم ير أحدا من الناس سواهما، وأنه قدم إليه بقليل من الدرة وشيء من لب الخيار فزرعه هنا، والله يسقيه له قال: فأنسنا به ساعة، ثم قام عنا ومضي قليلا، ثم عاد ومعه غزال قد كان نصب له حبالة، فاستخرج النار وشوى لنا من لخمه، فأكلنا ودفعت إليه مالا فلم يقبله، وقال: لا حاجة لي به، لكن إن رأيت أن تعطيني قليل قمح أجعله عوض الذرة، فافعل، فأخضرت له من مركبنا قمحا فلم يأخذ منه سوى ستة أقداح، وانصرفنا عنه:.
وأخبرني أنه رأى ساقية على بثر بناحية قليوب إذا أخذ منها قطعة خشب ووضع في شيء من ذلك الماء ليلا أضاء كما يضيء الجمر.
وأخبرني عن أبيه، وهو جد أمي لأمها، أنه كان قليل المال دون أهله، فحج في بعض السنين، فوجد المسشك بمكة يباع كل مثقال بخمسة دراهم، فاقترض هو وشخص من معارفه نحو المثة ألف درهم، واشتريا بها مسكا، وسار مع الركب إلى القاهرة والمسك معهما على جملين، فاتفق آنهما ناما مرة في أثناء الطريق وقاما فلم يجدا الجملين بحمليهما، فضاقت عليهما الأرض بما رحبت، ومرا على وجوههما في البرية يريدان العود إلى مكة فرارا من صاحب المال، فلم يمضيا عن الركب إلا قليلا
صفحة ٤١٧