أراد المرحوم برتقال باشا سنة 1892 - وهو إذ ذاك ناظر الخزينة الخاصة - أن يسير طائفة من السفن تمخر في دجلة بين بغداد والبصرة، ثم في الفرات بين البصرة ومسكنة؛ لتقوم مقام بواخر إدارة عمان التي أنشأها مدحت باشا، وكادت تئول إلى الاضمحلال. فخطر له؛ دفعا لمظان الريب عن الخزينة الخاصة - ونعم الخاطر - أن يؤلف شركة وطنية من أهالي العراق باشتراك الخزينة الخاصة، وكنا ممن أخذ رأيه في الأمر لسابق اطلاعنا على أعمال إدارة عمان. فقلنا: إن إقبال الأهالي على الاكتتاب سيكون عظيما على شرط أن تطلق يدهم في العمل، فخوبر والي بغداد فجمع التجار، ثم أرسل تقريرا ضافيا يقول فيه إن تجار بغداد وحدها مستعدون للاكتتاب بضعفي رأس المال المطلوب، فنظم برتقال باشا قانون الشركة، وجعل من جملة شروطه أن يكون الوالي (أو ناظر الأراضي السنية ببغداد) رئيسا دائما لمجلس الشركة، وأنه هو الذي يعين مواقيت سفر البواخر، فقلنا حينئذ إننا وإن لم نكن ممن اعتاد الرهان نراهن بكل ما عز وهان أنه لا يتيسر جمع شيء مما اكتتب به ما لم يلغ هذا الشرط، فلم يقع هذا القول موقع القبول، ولما اطلع تجار بغداد على مضمون ذلك القانون نكلوا جميعا وآل الأمر إلى إنشاء تلك البواخر لحساب الخزينة الخاصة، فسيرتها في دجلة على نية أن تسير أخواتها على الفرات.
وأما القول بتعذر وجود المديرين الصالحين لإدارة العمل من كل وجوهه، فهو صحيح ولكن الإفرنج لم يخلقوا مديرين للشركات، فما المانع أن نحذو حذوهم، ونتخذ منهم معاونين نتدرب بموازرتهم على إدارتها، فلا يمر زمن يسير حتى نعتاد ما اعتادوا، ونحسن ما أحسنوا، فإن حاجتنا إليهم من هذه الوجهة ليست دون حاجتنا إليهم للأعمال الهندسية وسائر ما سبقت لهم به خبرة لم ينلنا منها بعد غير نصيب ضئيل.
ثم إن من راقب أحوال البلاد الاقتصادية في الثلاثين سنة الماضية يرى في البلاد نهضة حقيقية لتثمير المال بواسطة المشروعات العامة، وإذ لم يكن للعثمانيين ثقة بحكومتهم وحكامهم كانوا حيثما أرادوا ولوج هذه الأعمال أو تثمير أموالهم بأسهم الشركات تستروا تحت أذيال الأجانب.
وإننا لا نزال نذكر أياما تقدمت إعطاء الامتياز بمرفأ بيروت، فبحث البيروتيون في المسألة على اختلاف نحلهم فقلنا لرجل من كبار موسريهم يتلهب غيرة على الاسم العثماني ويجود للجند بمال كثير زكاة عن ماله: «علام لا تؤسسون شركتكم هنا وتحرزون كل فائدتها؟» فقال: «ومن يضمن لنا كف يد الحكومة أو الولاة عن التدخل بشئوننا، والمال عزيز نضن به أن يكون طوع أمر ولاة الأمر، فأنا الضمين بتقديم نصف رأس المال وحدي إذا كان مركز إدارة الشركة في باريس أو لندن، ولا أجازف بقرش إذا كانت الشركة عثمانية اسما وفعلا ومركز مجلس إدارتها بيروت أو الأستانة.»
وإذا أردت برهانا أعظم فانظر إلى كل صنائع «المابين» الذين كانوا ينالون الامتيازات بلا عناء، أفما كانوا جميعهم يبيعونها من الأجانب بأثمان بخسة مع علمهم أنهم لو ألفوا لها شركات أو استثمروها بأنفسهم لنالهم من الربح أضعاف ما نقدوه، ولكن أنى يتسنى لهم ذلك وثقتهم مفقودة من نفس أنفسهم، ولا يعلم الواحد منهم مع كل عظمته متى تأتي نوبته فينضى سيف النقمة فوق هامته فكيف تحصل الثقة بعد ذلك لسائر الناس.
ولقد أسلفنا أننا لسنا ممن ينكر فضل الأجانب بتأليف الشركات عندنا؛ إذ لولاهم لبقينا الآن نخترق الوديان والهضاب على البغال والجمال، ولم يكن لنا مرفأ ولا مصرف ولا شيء من وسائل العمران الحديث ولسنا أيضا ممن يقول بوجوب الاستغناء عنهم - لو فرضنا ذلك في الإمكان - فالبلاد تستفيد من مالهم وعلمهم لقاء ما يستفيدون منها، ولكننا ننكر - كل الإنكار - أن لا يكون لنا يد في شيء من تلك الأعمال في بلادنا، وإذا شاركناهم بالمال فإنما نحن شركاء متسترون بنفوذهم وسيطرتهم.
أما الآن وقد احتجب طالع الاستبداد وفتحت الأبواب للطلاب؛ فالأمل أن لا تمر برهة طويلة حتى نرى أيدي أبناء الوطن ممتدة إلى كل عمل مفيد في بلادهم، سواء استقلوا به بأنفسهم أو استرشدوا له بشريك أجنبي.
السياح والمستوطنون
لا يعجبن القارئ اللبيب إذا عقدنا لهذا البحث بابا خاصا ألحقناه بأبواب موارد الثروة، وإن كان لا يجوز حسبانه من مصادر الثروة الطبيعية، ولا سيما في بلاد لا يجد السائح الغريب فيها كل ما تتطلبه نفسه من أسباب النزهة والراحة. فإننا الآن في إبان نهضة يجب أن نتطلع من خلالها إلى كل وسيلة من وسائل العمران. والأموال التي ينفقها رواد البلاد ليست بالمبالغ التي لا يعتد بها.
وإننا لا نطمع أن يكون لنا - بزمن قريب - مراتع للنزهة الخالصة، كباريس، تلك الجنة الجامعة للهو والزهو واللطف والظرف والعلم والمال؛ فإنها لم تبلغ ذلك المبلغ إلا بقرون مضافة إلى كياسة السكان وجهادهم. ولكنه يحق لنا أن نطمع مذ الآن بجعل بلادنا نجعة الرواد، من كل طالب راحة وعافية وراغب في ترويض نظر وترويح نفس واستطلاع أثر ومن كل ورع متعبد.
صفحة غير معروفة