507

عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير

الناشر

دار القلم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٤/١٩٩٣.

مكان النشر

بيروت

لا عِلْمَ لَكَ، فحَدَّثَنِي [١] عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الحليسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَنَصُدُّ [٢] عَنْ بَيْتِ اللَّه مَنْ جَاءَهُ مُعَظِّمًا، وَالَّذِي نَفْسُ الحليسِ بِيَدِهِ لَتخلِنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ لَهُ، أَوْ لانْفِرَنَّ بِالأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَقَالُوا: مَهْ [٣] كُفَّ عَنَّا يَا حَلِيسُ حَتَّى نَأْخُذَ لأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُرْوةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ بَعَثْتُمُوهُ إِلَى مُحَمَّد إِذَا جَاءَكُمْ مِنَ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَأَنِّي وَلَدٌ، - وَكَانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ- وقف سَمِعْتُ بِالَّذِي نَابَكُمْ، فَجَمَعْتُ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُكُمْ حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أتى رسول الله ﷺ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، أَجَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ [٤]، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إِلَى بيضتك لنقضها بِهِمْ، إِنَّهَا قُرَيْشٌ، قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّه لا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِهَؤُلاءِ قَدِ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا.
قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، فَقَالَ:
امْصُصْ بَظْرَ اللاتِ، أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ! قَالَ: مَنْ هَذَا يا محمد؟ قال: هذا ابن أب قُحَافَةَ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَكَافَأْتُكَ بِهَا، وَلَكِن هَذِهِ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَاوَلَ لِحْيَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، قَالَ: وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إِذَا تَنَاوَلَ لِحْيَةَ رسول الله ﷺ ويقول: اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ وَجْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لا تَصِلَ إِلَيْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ عُرْوَةُ:
وَيْحَكَ مَا أَفَظَّكَ وَمَا أَغْلَظَكَ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: أَيْ غُدَرُ، وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْءَتَكَ إِلَّا بِالأَمْسِ.
قُلْتُ: كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عُرْوَةَ عَمُّ الْمُغِيرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمُّ أَبِيهِ، هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَعُرْوَةُ وَأَبُو عَامِرٍ أَخَوَانِ.
قَالَ ابْن هِشَامٍ: أَرَادَ عُرْوَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَبْلَ إِسْلامِهِ قتل ثلاثة عشر رجلا

[(١)] أي قال ابن إسحاق: فحدثني....
[(٢)] وفي سيرة ابن هشام: أيصد ...
[(٣)] وعند ابن هشام: قال: فقالوا له: مه.
[(٤)] أي أخلاط الناس.

2 / 158