الاتصال والانقطاع
الناشر
مكتبة الرشد
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
مكان النشر
الرياض - المملكة العربية السعودية
تصانيف
•التخريج والإسناد والمدار
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
سلسلة نقد المرويات
(٢)
الاتصال والانقطاع
بقلم
إبراهيم بن عبدالله اللاحم
١٤٢٥ هـ
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذا هو القسم الثاني من سلسلة (نقد المرويات)، يتعلق بمباحث اتصال الإسناد وانقطاعه، سرت فيه على الطريقة التي سرت عليها في القسم الأول (الجرح والتعديل)، وذلك فيما يتصل بشمول البحث لأكبر قدر ممكن من المسائل التي تندرج تحت هذا الموضوع، مع مراعاة الحيز المخصص لكل منها، بحيث ينسجم ذلك مع القدر المخصص للموضوع كله، فغير خاف أن بحث هذه المسائل مجتمعة، يختلف عنه في حال إفراد كل مسألة منها ببحث يختص بها.
وقد كنت أثناء كتابتي للقسم الأول يثور دائمًا في نفسي هاجس الخوف من التعمق في بحث جزئياته، والتشعب في تناولها، بحيث يؤدي ذلك إلى الحيلولة دون فهم القارئ لما يكتب، أو ملله، فاجتهدت ما أمكنني في تفادي هذه المشكلة التي قد يقع فيها الباحث دون أن يشعر.
وفي هذا القسم لا أتردد في القول بأن هذا الهاجس قد ارتفعت وتيرته، وزادت حدته، لسبب بسيط جدًا، سيدركه القارئ لأول وهلة، وهو أن المسائل المندرجة تحت باب (الاتصال والانقطاع) تفوق - بكثير - في الدقة والعمق والتداخل ما يتصل بـ (الجرح والتعديل)، مع أن طرق هذا الموضوع والبحث في قواعده من قبل الأئمة والباحثين لا يقارن به في الكثرة طرقهم لموضوع (الاتصال والانقطاع).
ومع أنني بذلت أقصى جهدي في الكتابة بطريقة سهلة ميسرة، متجنبًا
1 / 5
الخوض في بعض الدقائق التي رأيت أن صرف النظر عن البحث فيها ضمن هذا المشروع هو الأنسب، إلا أنني مع ذلك آمل من القارئ الكريم - عطفًا على ما تقدم - أن يلتمس لي بعض العذر، إن وجد فيه مباحث أطلت فيها، أو كان تناولي لها بصفة حالت بين القارئ وفهمها.
كما آمل من القارئ الكريم أن يلتفت إلى نفسه أيضًا، فالبحث - أي بحث - لا شك أن المقصود به القارئ، وعليه أيضًا يقع جزء من التبعة في فهم واستيعاب ما يقرأ، وأعني بذلك أن الباحث مطالب بالاقتراب ما أمكن من القارئ، لكن لا يجوز له أبدًا أن يهبط ويضعف في تناول جزئيات بحثه، إذ يقع على القارئ النصف الباقي من الطريق إلى نقطة الالتقاء، وعليه أن يبذل جهده في قطع هذا الجزء من الطريق، ليلتقي بالباحث الذي يقرأ له.
ولست أعني بما قلت أن القارئ لابد أن يوافق الباحث فيما وصل إليه، وإلا فقد أخلّ بمسؤولياته، فهذا لا يمكن لأحد أن يقر به، أو يقول به، وإن سلكه بعض الباحثين في بحوثهم، فتجده يأخذ بتلابيب القارئ، ويتهدده ويتوعده إن لم يوافقه على ما يقول، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إقحام قضايا الابتداع ومخالفة أهل السنة في مسائل علمية بحتة.
وإنما الذي أعنيه أن يكون القارئ لديه ملكة يستطيع بها فهم القاعدة التي تقرر، والربط بينها وبين ما يساق لها من أدلة، أو ما يضرب لها من أمثلة، والمتن في التطابق بينهما، والتوقف فيما يوجب التوقف، والقدرة على المناقشة وتحرير موضعها، وحسن السؤال عن ذلك، فهذا هو المفترض في القارئ، ولا يتم ذلك كله إلا بالاستعداد النفسي، والقراءة المتأنية، بل وتكرار القراءة أحيانًا، وتفريغ الذهن من المشاغل ما أمكن.
1 / 6
وعندي أمل كبير أن يكون القارئ - بعد قراءته للقسم الأول (الجرح والتعديل) - قد تهيأ للقسم الثاني هذا، فهذا العلم - كغيره من العلوم - حلقاته مترابطة، يأخذ بعضها بزمام بعض، فكثير من تقسيمات العلوم ألجأ إليها حاجة التعليم والتفهيم.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للسداد والرشاد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه
إبراهيم بن عبد الله اللاحم
بريد إلكتروني:
IBRAHIMALLAHEM ٣@hotmail.com
1 / 7
تمهيد
اتصال الإسناد أحد الشروط الخمسة المعروفة لصحة الحديث، مع أن حقيقة هذا الشرط تعود إلى شرطين آخرين وهما عدالة الرواة، وضبطهم، إذ الإسناد المنقطع لم يتحقق فيه وجود هذين الشرطين، فقد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، وحينئذٍ فالنص على شرط الاتصال إنما هو - فيما أرى - من باب التأكيد.
وقد تضافرت نصوص النقاد في اشتراط اتصال الإسناد، فروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عائشة حديث: "كان النَّبِيُّ ﷺ لا يصلي في ملاحفنا "، ثم قال حماد: "سمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا؟ فسلوا عنه" (^١).
وقال يحيى بن سعيد القطان: "ينبغي لكتبة الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجل - يعني المحدث -، ثم يتعاهد ذلك منه - يعني نطقه - يقول: حدثنا، أو سمعت، أو يرسله، فقد قال هشام بن عروة: إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا؟ أو ممن سمعته؟ فإن الرجل يحدث عن آخر دونه - يعني دونه في الإتقان والصدق -، قال يحيى: فعجبت من فطنته" (^٢).
(^١). "سنن أبي داود" حديث (٣٦٨).
(^٢). "الجرح والتعديل" ٢: ٣٤.
1 / 9
وروى إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: " قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن، الحديث الذي جاء: "إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك"، قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: قال رسول الله ﷺ، قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النَّبِيّ ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، ولكن ليس في الصدقة اختلاف" (^١).
وقال الشافعي: "إذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ، وصح الإسناد به، فهو سنة، وليس المنقطع بشيء، ماعدا منقطع سعيد بن المسيب" (^٢).
وقيل لأحمد بن حنبل: حديث عن رسول الله ﷺ مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو عن التابعين متصل برجال ثبت؟ فقال أحمد: "عن الصحابة أعجب إليّ" (^٣).
وقال محمد بن يحيى الذهلي: "لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح" (^٤).
وقال مسلم حكاية عن غيره مقرًا له: "والمرسل من الروايات في أصل
(^١). "صحيح مسلم" ١: ١٦، و" الجرح والتعديل" ١: ٢٧٤.
(^٢). "آداب الشافعي ومناقبه" ص ٢٣٢، و" المراسيل" ص ٦.
(^٣). "مسائل إسحاق" ٢: ١٦٥، و" الكفاية" ص ٣٩٢.
(^٤). "الكفاية" ص ٢٠.
1 / 10
قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (^١).
وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي وأبازرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا" (^٢).
وقال ابن خزيمة في بيانه لشرطه في "صحيحه": "بنقل العدل عن العدل، موصولًا إليه ﷺ، من غير قطع في أثناء الإسناد ... " (^٣)
ولهذا السبب فقد بذل أئمة الحديث جهدًا كبيرًا في البحث عن الاتصال والانقطاع، فدرسوا كل راوٍ تقريبًا، درسوا رواياته عن شيوخه، فقالوا مثلًا: فلان روايته عن فلان متصلة، فلان سمع من فلان وفلان، فلان روايته عن فلان مرسلة، فلان لم يسمع من فلان، فلان رأى فلانًا ولم يسمع منه، أو دخل عليه لكن لم يسمع منه، إلى غير ذلك، ونظروا في مراسيل المشهورين بذلك من الرواة وحكموا عليها، ووازنوا بينها، وفي كلامهم على الأحاديث التزموا هذا الشرط، فضعّفوا أحاديث كثيرة جدًا بالانقطاع، وهذا أمر متقرر مشهور.
ونلاحظ في كلام النقاد على مراتب أحاديث الأقطار الإسلامية تأثير الاتصال والانقطاع في هذه المراتب (^٤).
وعلى الباحث أن يسلك منهج هؤلاء الأئمة في التحقق من اتصال الإسناد أو انقطاعه، وهو في سبيل ذلك عليه النظر أولًا في سماع كل راو في الإسناد ممن
(^١). "صحيح مسلم" ٣٠: ١.
(^٢). "المراسيل" ص ٧.
(^٣). "صحيح ابن خزيمة" ١: ٥، وانظر أيضًا "صحيح ابن حبان" ١: ١٦٣.
(^٤). انظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢: ٢٨٦ - ٢٨٨.
1 / 11
فوقه في الجملة، ثم سماعه لهذا الحديث بعينه منه، وكل هذا يسير فيه الباحث وفق قواعد وأصول منقولة عن أئمة النقد، أو مأخوذة من عملهم وتطبيقهم، فالأمر المتقرر في كل قضية من قضايا النقد هو النظر في عمل أئمة النقد وقواعدهم، ومتابعتهم في ذلك.
والمتأمل في عمل المشتغلين بنقد السنة في الوقت الحاضر يرى خللًا في التحقق من شرط الاتصال والانقطاع في دراستهم للأسانيد، إما لأن القاعدة لم تتحرر عند الباحث كما ينبغي، أو لأنه ذهب إلى خلافها، أو أُتي من قِبل طرده لبعض القواعد في وقت معارضة قواعد أخرى لها، وأهم مما سبق كله التقصير وعدم الاستقصاء في البحث.
والباحث يسير في عمله في التحقق من شرط الاتصال في ثلاث خطوات بارزة: الأولى: نظره في صفة الرواية للراوي عمن فوقه في الإسناد، وهل قصد الرواية عنه أو لا؟ الثانية: إذا كان قصد الرواية عنه فهل لقيه وسمع منه؟ الثالثة: إن كان قد لقيه وسمع منه فهل سمع منه هذا الحديث موضع الدراسة؟
وسأتناول هذه الخطوات الثلاث في ثلاثة فصول، أردفها بفصل رابع، أتناول فيه قضايا متفرقة تتعلق بالاتصال والانقطاع، وهي: درجات اتصال الإسناد وانقطاعه، ومصطلحات يتداولها الأئمة في كلامهم عن الاتصال والانقطاع، وحكم الباحث على الإسناد بعد فراغه من دراسة اتصاله وانقطاعه.
1 / 12
الفصل الأول
صفة رواية الراوي عمن روى عنه
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: صيغ الأداء ودلالالتها.
المبحث الثاني: الرواية عن الشخص والرواية عن قصته.
1 / 13