ودارت أقداح القهوة العربية في ذات الصمت المترقب، الذي قطعه دخول الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى، مقاربين أبا زيد الهلالي سلامة، مسرين في أذنه همسا برغبة والدتهم الأميرة «نوفلة» - أخت دياب بن غانم - في رؤيته داخل ديوان عزاء الحريم لحظة ويعود بعدها إلى ضيوفه.
وتشددوا في مطلبهم وهم يجذبونه إلى أن انتصب أبو زيد واقفا مستأذنا منسحبا في أقصى اضطرابه واكفهراره، مما دفع بدياب بن غانم إلى تكتم ضحكاته العالية المدوية في صعوبة مداعبا: غرايب! أبو زيد الهلالي يبدو رقيقا خجلا على هذا النحو مثل بقية خلق الله! غرايب!
وضاعف من مداعباته حين اعترضه منسحبا قائلا: وأنا، آجي؟ لا أحد يريدني.
وعلت الضحكات المتكتمة مما يحدث: من يصدق أن هذا بعينه أبو زيد؟ أية حيلة؟!
هنا اندفع أبو زيد داخلا إلى ديوان الحريم - أو المحصنات - والتقت عيناه من جديد بعيني العالية بنت جابر جالسة في انكماش إلى جانب الأميرة نوفلة، حتى اعتراه من جديد الاضطراب الذي سبق أن دفع به إلى الاختباء، فتوقف متعثرا منكسا في عتبة الديوان، إلى أن قاربته نوفلة وهي تسحب إلى الخلف منها العالية شبه دامعة: العالية ابنة عمك الأمير جابر.
وحين لامست قبضته يدها أحس وخزا كمثل حربة همجية مست بنصلها شغاف قلبه، وغمغم منكسا: العالية بنت عمي.
أجلسته الأميرة نوفلة، وهو منقاد لها كطفل صغير يسلم قياده إلى أمه مسلوبا من كل إرادة إلى جوارها، فحط منزويا من فوره: لحمي.
وكما لو أن العالية بدورها ترصدت بجلاء وتفهم حصيف ما يعانيه فارس الهلالية، فراحت تتأمله من تحت أهدابها خلسة لدرجة أن النساء الهلاليات والعامريات تزاحمن متفجرات بكل دهشة وانبهار، مما تختلسه عيونهن من خلف الشبابيك والمشربيات والستائر المسدلة، خاصة وقد تناولت العالية بنت جابر تفاحة من أطباق الفاكهة والحلوى التي تقدمت بها الجاريات ومضت تقشرها له بسكينها مقدمة في حنو.
فبدى المشهد للهلاليات والعامريات كمثل يوسف مع امرأة عزيز مصر، حين غالبها البكاء أمام صديقاتها من النساء بكت زليخة وقالت:
عشت في الذل لمتوني
صفحة غير معروفة