مسحت إلينورا راحتيها في ظهر ثوبها وابتلعت لعابها. كما قالت السيدة داماكان، عليها أن تثق بنفسها؛ ليس أمامها سوى ذلك، وتمنت لو كان في وسعها أن تفكر في اعتذار مناسب. تزاحمت في عقلها صور الخلفاء والمفتين، والملوك القدامى والعواصم المهجورة.
قالت متشبثة بأول خاطرة مكتملة خطرت في بالها: «إن موقف الإمبراطورية بوجه عام لا يختلف كثيرا في رأيي عن موقف الهيركانيين كما وصفه زينوفون في روايته «سايروبيديا».»
توقفت إلينورا كي ترى مدى تأثير هذا التشبيه، ولكن لم يبد أن أحدا من الحاضرين يعلم شيئا عن الهيركانيين، أو عن زينوفون من تلك الزاوية. «كان الهيركانيون تابعين لجيرانهم الأكثر قوة - الآشوريين - الذين كانوا يستغلونهم أسوأ استغلال في شئون السياسة، بالإضافة إلى الشئون العسكرية. وفي الموقف الذي يصفه زينوفون، أعطيت الأوامر للفرسان الهيركانيين بحماية مؤخرة سارية آشورية، حتى إذا حل أي خطر من الخلف يتحملون هم وطأته، ولكن ...»
توقفت إلينورا لحظة كي تبلل شفتيها بلسانها، وعندما فعلت ذلك أصيبت بدوار. انقشعت غيمة عن أشعة الشمس التي أشرقت في الغرفة، مضيئة رقعة الرخام التي تقف عليها.
قالت محاولة ترتيب أفكارها: «وبينما هم ...»
وهنا انهارت إلينورا. جثت أولا على ركبتيها، ثم ارتجفت ارتجافة شديدة وانهارت حتى سقطت على الأرض. وعلى الأرض في منتصف غرفة مقابلات السلطان دخلت في نوبة من التشنجات، وتوقف عقلها عن العمل تماما.
رغم أن إلينورا كانت قد قرأت القرآن كاملا، بل وحفظته في الواقع، فإنها لم تلق بالا لمسألة الوحي. وإذا لم تستحضره الظروف، فلم تكن تفكر في محتوياته إلا نادرا. ومن العجيب أن سورة الغاشية كانت أول ما خطر ببالها عندما فتحت عينيها، وأغمضت عينيها وفتحتهما مرة أخرى في محاولة لإدراك ما يحيط بها:
فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة . وعبر باب مفتوح استطاعت أن ترى ساحة واسعة تمتلئ بفتيات جميلات ينقرن على الآلات الوترية ويهمسن بعضهن لبعض في نبرة ضاحكة. ها هي العين الجارية، والبسط الممدودة، والنمارق المصفوفة.
كانت ترقد ووجهها للأسفل على أريكة مرتفعة في منتصف غرفة صغيرة متفرعة من الساحة، وكان رأسها مسنودا بمجموعة من الوسادات المخملية، وقدماها حافيتان. شعرت بالخدر والوخز في يدها اليمنى، وسرعان ما اكتشفت أنها عالقة بين جسدها والوسادة. وبصعوبة شديدة تمكنت من جذب يدها من تحتها وانقلبت على ظهرها، وعندما فعلت ذلك رأت أن والدة السلطان تقوم على رعايتها. حاولت أن تجلس، ولكنها عندما رفعت رأسها اخترقها ألم حاد من صدغها حتى الجهة الأخرى. وهنا فحسب تذكرت نهاية السورة وبدت منطقية لها:
فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر . «ليس عليك أن تتحركي، اهدئي وارقدي هنا فحسب.»
صفحة غير معروفة