أفمثل هذا الرجل كان خليقا أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشا تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقارا، أو تحس في قلوبها أثرا من آثار الرحمة والبر!»
قال قائل منهم: «ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأنا. فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلوهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث، فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصرا كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حيث انبعث فيهم رسل المسيح: هذا الإيمان الذي زين في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، هذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر.»
كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئا لم نكن نقدر أنه كائن ولكن أوانه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعت إلى ذلك سبيلا.
قال آخرون: «ما أيسر ذلك وما أعسره! وأنى لمثلنا أن يفلت من سادة قريش، وإن من حول مكة من أهل البادية لأرصادا على من أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار، فكيف بالرقيق!»
قال «لسياس» وهو ينتحب: «فكروا في ذلك ودبروا، وتهيئوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كتب علي الشقاء. وما أرى أن بحار الأرض لو سلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة.»
ثم قام عنهم يعدو مشتدا في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثرا ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبرا.
الفصل السابع
نزيل حمص
قال عمير بن عبد الله السلمي لمحمد بن نصر الكلابي: «إن لله فيما يأتي من الأمر لحكمة بالغة، يفهمها الناس حينا ويقصرون عن فهمها في كثير من الأحيان. وإن الرجل الرشيق خليق أن يتعظ بما فهم، وألا يلح في تأويل ما لم يفهم، وأن يطمئن قلبه إلى أن حكمة الله بالغة، وإلى أن قضاءه منته إلى الخير دائما.»
قال محمد بن نصر لصاحبه: «هو ذاك، وما أظن أن أحدا منا ينكر ذلك أو يماري فيه، فما تحدثك به؟ وما هذا التفكير العميق الذي أرى آثاره بادية في وجهك؟»
صفحة غير معروفة