استند الأسلوب الجديد إلى حقيقة أنه عندما تنطلق مركبة فضائية مارة بأحد الكواكب، فقد تؤدي جاذبية الكوكب - بالإضافة إلى حركته حول الشمس - إلى انحراف المركبة عن مسارها ومنحها مزيدا من الطاقة. عندما انطلقت «مارينر 4» مارة بالمريخ، على سبيل المثال، فاقت سرعتها ثلاثة آلاف قدم في الثانية، كان من الممكن أن تزيد السرعة لأكثر من ذلك في حالة كوكب المشتري؛ لأنه أكبر الكواكب، وكان من شأن ذلك أن يؤدي إلى التعزيز بصاروخ مرحلة إضافي، مجانا تماما، وتقليل زمن الرحلة إلى نبتون إلى ثمانية أعوام.
كان ثمة المزيد من النتائج؛ عندما أجرى المحلل جاري فلاندرو بمختبر الدفع النفاث دراسات على هذه البعثات باستخدام الصاروخ «جوبيتر»، وجد أن الكواكب الأبعد كانت على وشك الانتظام في اصطفاف نادر؛ ومن ثم، كان يمكن لمركبة فضائية واحدة أن تمر بجميع الكواكب الكبرى - المشتري وزحل وأورانوس ونبتون - خلال تسعة أعوام فقط! كان كل التقاء كوكبي يضيف طاقة؛ مما يؤدي إلى زيادة سرعة المركبة الفضائية وصولا إلى الكوكب التالي. بالإضافة إلى ذلك، كانت تواريخ الإطلاق - التي تقع في غضون بضع سنوات مستقبلا - ملائمة تماما. كانت بعيدة بما يكفي للسماح بالتخطيط والإعداد المتأنيين، وقريبة بما يكفي لجعلها جديرة بالتنفيذ. كان المنجمون قد أشاروا قبل زمن طويل إلى أن الاصطفافات الكوكبية تتحكم في أحوال الأفراد، وهذا الاصطفاف من شأنه أن يؤثر بالتأكيد على مستقبل مختبر الدفع النفاث. كانت الفرصة جيدة جدا بما يحول دون تفويتها.
بدأت بحوث فلاندرو في عام 1965، ثم تبعتها دراسات أخرى، وفي ظل رغبة بكرينج المعهودة في التوسع، اقترح بكرينج مشروع بناء أسطول مركبات، مركبتان منهما تأخذان مسار المشتري - زحل - بلوتو، وتأخذ مركبتان أخريان مسار المشتري - أورانوس - نبتون. لكن، بينما كانت التقديرات المتعلقة بحركة الكواكب ملائمة، لم تكن التوقعات المتعلقة بالميزانية كذلك؛ فقد اقترحت هذه الخطة التي كانت تتكلف 750 مليون دولار أمريكي في الوقت الذي كانت ناسا تواجه أزمة الاستقطاعات في الاعتمادات في حقبة ما بعد «أبولو». كان على بكرينج الاستقرار على مركبتين بدلا من أربع، وألا يمضي لأبعد من زحل. اتخذ البرنامج الجديد اسم «فوياجر».
على الرغم من ذلك، تقدمت ناسا بمشروعين داعمين؛ كان أحدهما قد انبثق عن شراكة محدودة بين مركز إيمز للأبحاث التابع لناسا، وشركة «تي آر دبليو» التي كانت قد واصلت بعثات «بايونير» في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين. استكشفت المركبات من «بايونير 6» إلى «بايونير 9» فضاء ما بين الكواكب، بينما بلغت مركبتا «بايونير 10» و«بايونير 11» المشتري، وبالإضافة إلى ذلك، تولت «بايونير 11» مهمة توظيف أسلوب الجاذبية المساعدة للانطلاق إلى زحل. كانت البعثات، التي انطلقت في عامي 1972 و1973، بمنزلة رحلات استكشافية. كان المشتري على وجه الخصوص يتميز بمجال مغناطيسي قوي، يحتجز طبقة من الإشعاع القوي تستطيع تدمير معدات المركبة، وكانت حلقات كوكب زحل تحتوي على أعداد هائلة من الأجسام الصلبة الصغيرة التي كان من الممكن أن تتسبب في تدمير أي مركبة سبر تقترب أكثر مما ينبغي.
بالنسبة إلى كل من «بايونير 11» ومركبات «فوياجر» الفضائية، كان من المفترض أن يستتبع الاستخدام الناجح للجاذبية المساعدة بدوره توجيها دقيقا عند الالتقاء بكوكب المشتري؛ حيث كان من المنتظر أن يصبح هذا الكوكب بمنزلة مقلاع، يطلق المركبة الفضائية قدما في اتجاه كوكب زحل بدقة عالية. لاختبار هذه الفرضية، أجرى مختبر الدفع النفاث تجربة عملية باستخدام مركبة منفصلة، وهي «مارينر 10»؛ استعانت المركبة بكوكب فينوس للاندفاع باتجاه كوكب عطارد. في حقيقة الأمر، كان مدارها بعد فينوس يسمح لها بالانطلاق مرورا بعطارد ثلاث مرات، بينما كانت الكاميرات والمعدات الأخرى تعمل.
كانت التفاصيل التي ظهرت في تليسكوبات علماء الفلك بشأن عطارد، وهو الكوكب الأقرب إلى الشمس، أقل مما ظهرت بشأن المريخ. التقطت «مارينر 10» صورا لمعظم أجزاء عطارد بمستوى عال من الدقة، كاشفة عن عالم مليء بالفوهات على نحو أشبه كثيرا بالقمر، وقدمت الصور أيضا دليلا على آثار الاصطدام العنيفة للغاية التي شكلت تضاريسه؛ أسفر أحد تلك الاصطدامات عن تشكيل حوض عظيم باسم «كالوريس». على الجانب الآخر من عطارد، على الجهة المقابلة لكالوريس، كانت ثمة قطعة لافتة للنظر من الأراضي المنبعجة؛ أشار دونالد جولت، أحد علماء ناسا، إلى أن الاصطدام قد أسفر عن موجات زلزالية شديدة التقت عند هذه الوجهة المقابلة، محدثة هذا الانبعاج في صورة زلزال هز الكوكب بأسره.
مع اقتراب موعد إطلاق «فوياجر»، أرجئت العملية مؤقتا. كان من المقرر في حقيقة الأمر أن تنطلق المركبة الفضائية الأولى إلى المشتري وزحل فقط، لكن مسئولي ناسا قرروا أن المركبة الثانية ربما تنطلق إلى أورانوس ونبتون مرورا بزحل؛ وعليه، فقد اعتلت هاتان المركبتان صاروخيهما طراز «تايتان 3-سينتاور»، في شهري أغسطس وسبتمبر من عام 1977؛ حيث انطلقتا في مهمتين طموحتين وربما مثمرتين كما لم يشهد أحدنا في حياته. ساعدتهما سرعة انطلاقهما العالية في المرور بمدار القمر في أقل من اثنتي عشرة ساعة، حيث قطعتا مسافة كانت تستغرق أياما من منظور رواد «أبولو». وبينما عبرت المركبتان المسافة الأكبر بكثير، التي تبلغ نصف مليار ميل بما يساوي المسافة إلى كوكب المشتري، مضى ثلاثة علماء من كاليفورنيا - هم: ستان بيل، وبات كاسن، وراي رينولدز - قدما في استعداداتهم.
المركبة «فوياجر»: ذراع طويل إلى اليسار يحمل مقياس مغناطيسية. يوجد مصدر الطاقة في الركن الأيسر السفلي، في حين توجد المعدات في الركن الأيمن العلوي (دون ديكسون).
تضمن عملهم دراسات رياضية لنظام المشتري وأقماره الرئيسية، التي كانت تمثل صورة مصغرة من النظام الشمسي في حد ذاته. كان القمر «كاليستو» - وهو الأبعد من كوكب المشتري - في مثل حجم عطارد، بينما كان القمر «جانيميد» أكبر حجما، وكلاهما كان يؤثر على حركة الآخر. كان زمن الدورة المدارية للقمر «أوروبا» يقترب من ضعف زمن الدورة المدارية للقمر الأقرب، بينما كان زمن الدورة المدارية للقمر «جانيميد» يعادل ضعف زمن الدورة المدارية للقمر «أوروبا». بالإضافة إلى ذلك، عمل القمر «أيو» - وهو القمر الأقرب - بمنزلة مولد كهربائي عند دورانه ضمن المجال المغناطيسي للمشتري، ولد تيارا كهربيا مر عبر الفضاء وصولا إلى هذا الكوكب، بلغت شدة التيار ثلاثة ملايين أمبير وبلغت قدرته ملياري كيلو وات. كان هؤلاء العلماء يتوقعون أكثر من ذلك.
يدور القمر «أيو» بالقرب من المشتري مثلما يدور قمرنا حول الأرض، وتزيد كتلة المشتري عن كتلة الأرض بمقدار ثلاثمائة مرة؛ ومن ثم، فإن آثار الجاذبية الشديدة للمشتري هائلة بالفعل. تؤدي جاذبية القمر إلى حدوث ظاهرة المد والجزر في محيطاتنا، بينما تؤدي جاذبية المشتري إلى موجات من المد والجزر في جسم «أيو» نفسه؛ مما يؤدي إلى انبعاجه بما هو أقرب إلى شكل كرة القدم. رأى بيل وكاسن ورينولدز أن تأثير أوروبا مجتمعا مع موجات المد والجزر الخاصة بالمشتري سيؤدي إلى انبعاج «أيو» وانثنائه مثل كرة مطاطية يعتصرها المرء في يديه.
صفحة غير معروفة