ودعي ابن رواحة إلى الرئاسة، فجاءه ابن عم له بعرق من لحم، وقال له: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية المعترك فألقاه من يده، وجرد سيفه وهو ينشد:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديت
فطفق يصول بين الصفوف ويهدر بالشعر حتى قتل والمعركة في أشدها.
فما هي إلا لحظة حتى دبر المسلمون أمر الرئاسة بوحي البديهة ونور العقيدة وهداية الفداء التي تهدي إلى المصلحة الكبرى وتغفل كل مصلحة دونها. وإذا باللواء يأخذه في تلك اللحظة ثابت بن أقرم من بني العجلان، وينادي في أصحابه: «يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم». قالوا: «أنت»، قال: «لا ما أنا بفاعل»، فاتفقت الكلمة على خالد بن الوليد، فإذا هو يتولى القيادة في حينها ويصنع لساعته خير ما يصنع في ذلك الحين.
وخير ما يصنع في ذلك الحين هو الارتداد المأمون ...
وهو أصعب من النصر في بعض المآزق؛ لأن النصر ميسور مع اجتماع العدة له واحتمال الشدة فيه، ولكن الارتداد المأمون غير ميسور لكل من يريده وهو في أضعف الموقفين ... إلا أن تكون له خبرة بالقيادة تكافئ الرجحان في قوة العدو الذي يرتد بين يديه.
وأول شيء ينبغي أن يحتاط به لارتداده هو أن يوقع في روع عدوه أنه لا ينوي الارتداد بل ينوي الهجوم أو يقصد إلى الحيلة.
صفحة غير معروفة