وأحرى بنا أن نرجع إلى كلام خالد؛ لبيان تاريخ إسلامه وسبب اهتدائه وتلخيص الأحاديث التي كاشف بها خلصاءه قبل لحاقه بالنبي في المدينة ليسلم على يديه، فإنه أجمل ذلك كله إجمالا يفصح عن تلك الأطوار النفسية التي ساورته وإن لم يقصد إلى الإفصاح عنها، ولعل صدورها منه على البديهة أبين لها، وأقرب إلى توكيدها من الشرح المقصود.
قال: «لما أراد الله بي من الخير ما أراد، قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا وأنصرف وإني أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين فلقيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر إماما، فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا. وكان فيه خيرة. فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم به فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعا وقلت: الرجل ممنوع، وافترقنا وعدل على سنن خيلنا، فأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالراح قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين المذهب؟ أإلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية؟ أفأقيم في عجم؟ أو أقيم في داري فيمن بقي؟» «وبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في عمرة القضية، وتغيبت فلم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد قد دخل مع النبي
صلى الله عليه وسلم
في تلك العمرة، فطلبني فلم يجدني. فكتب إلي كتابا فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟! وقد سألني رسول الله
صفحة غير معروفة