قد علمت أن الرشيد هو الذي أمر مسرورا أن يفعل ما فعله، ودبر هذه الحيلة في إدخال جعفر قصر الخلد منفردا على تلك الصورة إلى القبة التركية. وكان قد أمره بإقامتها في صباح ذلك اليوم على أثر خروج جعفر من دار الخاصة؛ وذلك أن الرشيد ظل بعد خروجه ساعة يخطر في تلك الدار ذهابا وإيابا، ويعمل فكرته قبل الإقدام على ذلك الأمر العظيم، ويتردد بين التعجيل والتأني؛ لعلمه بما للبرامكة من المريدين الذين يبذلون أرواحهم في سبيل نصرتهم، ولكنه أصبح بعد توالي قلقه وطول سهره وهو لم يذق طعاما ولا شرابا، ولا يزداد إلا نقمة وغضبا - والأرق وحده يورث ضيق الخلق، وحدة الطبع، مع ضعف القلب، فكيف إذا رافقه القلق والاضطراب؟ - فخاف الرشيد إذا أجل الفتك به أن يعلم جعفر بمقتل العباسة فيتأهب للدفاع، وربما انقلب الأمر إلى عكس ما يريد. وكان من الجهة الأخرى يحب جعفرا حبا شديدا، وقد ربيا وعاشا معا على غير كلفة، وكان يعده أخا له فيشق عليه قتله، ولكنه كلما خطر الحب في ذهنه اعترضه ما أحفظه عليه من خيانته ومس عرضه، فيقف شعره ويقشعر بدنه، فلا يرى راحة إلا بالإصرار على قتله.
قضى في ذلك حينا وهو يتمشى في الدار منفردا، واستغرق في تلك الأفكار حتى نسي نفسه، ولو دخل عليه أحد في تلك الساعة لرآه يسرع في مشيته تارة ويبطئ أخرى، وهو بين إطراق وتصويب يحك ذقنه، أو يشير بأنامله تهديدا، أو وعيدا، أو استمهالا وترددا، لا ينتبه لشيء مما يكسو جدران تلك القاعة من الستائر المطرزة، أو الطنافس الموشاة، كأنه لا يرى من الألوان غير السواد. وربما وقف لحظة أمام ستارة ليقرأ ما عليها من الشعر، أو ينظر فيما يكسوها من الأشكال. وقد يقرأ البيت أو الفقرة فلا يدرك لها معنى؛ لاستغراقه في الهواجس، فاتفق أنه وقف أمام أسطوانة بجانب سريره قرأ عليها بيتين استفزا عزيمته، وقضيا بتنفيذ أمره؛ وهما:
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبد
وكان مترددا وقد تضارب في ذهنه الإقدام والإحجام، ثم تساويا كأنهما في كفتي ميزان، وإذ توازنا؛ فإن أي شيء يضاف إلى إحدى الكفتين يجعلها ترجح، فما فرغ من تلاوة هذين البيتين حتى رجح عنده الإقدام، فصمم على الفتك به، فصاح: «مسرور.» فدخل بأسرع من لمح البصر، فأوصاه بما يعمله على نحو ما تقدم، ومكث في القاعة ينتظر رجوعه وهو على أحر من الجمر، حتى جاءه بالحيلة التي انتحلها جعفر لعله يصفح، فرده واستعجله بالقتل، فرجع وضرب عنقه وحمل رأسه وهو قابض عليه من لحيته، فتدلى الرأس مقلوبا والدم ينقط من أوداجه، ويسيل على خديه وعينيه وشعره.
دخل مسرور بالرأس والرشيد جالس على السرير، فطرحه على وسادة بين يديه وتنحى في أحد جوانب الدار، فلما وقع نظر الرشيد على ذلك الرأس أحس بزوال الخطر، ولكنه لم يتمالك عن الأسف، فامتقع لونه، وجاشت عواطفه، وتذكر سابق الحب بينهما، فنظر إلى الرأس هنيهة وبيده قضيب من الأبنوس المطعم بالعاج تعود أن يتسلى به وهو جالس، فجعل ينكت البساط به ويخاطب الرأس قائلا: «يا جعفر، ألم أضعك موضع نفسي؟ يا جعفر، ما كافأتني ولا عرفت حقي، ولا حفظت عهدي، ولا ذكرت نعمتي، ولا نظرت في عواقب الأمور، ولا فكرت في صروف الدهر، ولا حسبت لتقلبات الأيام واختلاف أحوالها حسابا. يا جعفر، خنتني في أهلي، وفضحتني بين العرب والعجم. يا جعفر، أسأت إلي وإلى نفسك وما فكرت في عاقبة أمرك.» وكان يقول ذلك والقضيب بيده ينكت به البساط، أو ينقر به أسنان جعفر كأنه يستنطقه، ومسرور واقف يسمع ويرى، ولو كان له قلب لانفطر، ولكنه كان فظا غليظ القلب. «قال الرشيد: يا جعفر، خنتني في أهلي، وفضحتني بين العرب والعجم. يا جعفر، أسأت إلي وإلى نفسك وما فكرت في عاقبة أمرك ...»
وبينما الرشيد يخاطب جعفرا بمثل ما تقدم ويعاتبه، ومسرور لا يجرؤ على حركة ولا قول، إذ سمعا وقع خطوات مسرعة نحو الباب ما زالت تقترب حتى سمعا قرعا وقائلا يقول: «السلام عليك يا أمير المؤمنين. هل أدخل؟»
فأجفل الرشيد؛ لأنه عرف صوت إسماعيل بن يحيى، فأشار إلى مسرور بأن يأخذ الرأس ويمضي، ففعل وخرج من باب في الجانب الآخر من القاعة. ولم ينتظر إسماعيل جواب الرشيد فدخل.
صفحة غير معروفة