ووصف ما تقدم إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره، وقمت، فجئت إلى بيتي ودعوت طباخي، فتقدمت إليه أن يصلح لي مثل ذلك بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل ونمت، وقمت وقد مضى نصف من الليل، فأكلت ما أصلح لي، وغسلت يدي، وأسرج لي، وأنا عامل على المضي إليه، إذ طرقتني رسله فجئته، فقال: بحياتي أكلت قلت: أعيذك باللَّه، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأي وقت أصلح لي شيء، أو أي وقت أكلت؟ سل غلمانك على أي حال وجدوني؟ قالوا: وجدناه واللَّه يا سيدي، قد لبس ثيابه، وهو ذا ينتظر أن يفرغ من إسراج بغلة ليركبها.
فسر بذلك سرورا شديدا، وقدم الطعام، فما كان في فضل لشمه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحل دمي.
قَالَ: وكذا كانت عادته، فأقول له: هو ذا أكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا؟ قَالَ: وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بالأرطال وهو يفرح، وعنده أني أشرب على الريق أو ذلك الأكل الذي أكلت معه، ثم أمرني بالغناء، فغنيت، فاستطاب ذلك وطرب، وشرب أرطالا، فلما رأيت النبيذ قد عمل فيه، قلت: يا سيدي، تطرب أنت على غنائي، فأنا على أي شيء أطرب؟ فقال: يا غلام، هات دواة.
فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إلي، فإذا هي إلى صيرفي يعامله بخمس مئة دينار، فأخذتها وشكرته، ثم غنيت فطرب، وقد زاد سكره، فطلبت منه ثيابا، فخلع على خمسة أثواب من أنواع
1 / 178
ذكر الروايات عن رسول الله ﷺ في البخل، ووصفه، وعيبه، وذمه، والتحذير منه. والاستعاذة بالله منه
استعاذة النبي ﷺ بالله من البخل
نفي النبي ﷺ البخل عن نفسه
وصف رسول الله ﷺ السخاء والبخل
ضرب النبي ﷺ مثل البخيل
الرواية عن النبي ﷺ أن طعام البخيل داء
قول النبي ﷺ أدوى الداء البخل
قول النبي ﷺ «إن الله يبغض البخيل»
ما روي في نفي الإيمان عن البخل
الرواية عن النبي ﷺ أن البخيل بعيد من الله
الرواية عن النبي ﷺ أن البخيل لا يدخل الجنة
البخل والشح
باب ذكر المأثور عن المتقدمين في ذم البخل والباخلين
فصل وصف الفضلاء مواعيد البخلاء
فصل من مدح بخيلا رجاء عطائه ثم أعقب مديحه بذمه وهجائه
فصل من استضاف رجلا فساء قراه فحمله ذلك على أن ذمه وهجاه
فصل أخبار مستظرفة لجماعة من البخلاء
فصل وقد كثر الهجاء بالبخل على الطعام
فصل المذكورون بأنهم أبخل الناس
فصل مذهب البخلاء فيما جمعوه أن الحزم ألا ينفقوه
فصل ما ينبغي أن يتيقنه من بخل بإنفاق المال أنه لوارثه إن سلم من حادث في الحال