1
غضبه على «لجاجات المجلس غير المجدية، وجميع الحماقات التي تثير السخط. والحق أنني أميل إلى مناقشات مجلس الجامعة التي تقوم على المجاملة مع أنها مملة.»
ذلك هو القريض الذي يخفق له قلب بسمارك؛ وذلك لأن بسمارك بمزاجه السعر
2
يزدري - قبل كل شيء - كل ما ينال، لا لأن بسمارك يعرف فقط أن يحل ببصره الحديد وعقله الجبار معظم المسائل بأسرع مما يستطيعه أحد المجالس، وبسمارك يضيع إذا لم يقارع، ولو صار بسمارك سيد العالم لاعتراه السأم.
ويرتعش بسمارك تجاه ما عرفه من إمكان إهمال الملك فردريك ولهلم لتعيينه سفيرا بضغط من النمسة، ويا لسرور أعدائه! وفي ذلك يكتب إلى غرلاخ قوله: «إنني لست طموحا بالمقدار الذي يظنه أخوكم، ولكن مشروع تعييني إذا ما عد تدبيرا حزبيا كان إلغاؤه دليلا على عدم أهليتي لذلك المنصب. ولذا فإنني أتمسك بتعييني عن طموح.» وهكذا تبصره يحمل على أحد الأخوين غرلاخ على حين يبلغ الأخ الآخر بأنه لا يرغب في جعله سفيرا، وهو يود من ذلك أن يقصا كلاهما النبأ على الملك، بيد أنه واثق بمستقبله في قرارة نفسه، وآية ذلك قوله في كتاب إلى زوجه: «نستطيع أن نعيش هنا - مع ضيق - براتب ثلاثة آلاف تالير وقليل دخل، وإذا لم أعين حتى الصيف سفيرا لدى البندشتاغ طالبت بزيادة الراتب، وإلا اعتزلت العمل كله.»
ويتغلب أصدقاء بسمارك على تردد الملك، ويصبح بسمارك الذي لم يكن ذا سابق خدمة في الدولة سفيرا في السادسة والثلاثين من سنيه خلافا لكل عادة؛ وذلك لأنه كان فارس الملك نائبا، ولأنه كان لرئيس فرسان الملك صديقا.
والتأنيث هو أول شيء يصنعه لعدم خبرة زوجه في ذلك، ولأنها ليست معه، وهو - كما في شبابه وشيبته - ينشد الراحة ويود حيازته لبعض الأشياء، ويبلغ راتبه - سفيرا - واحدا وعشرين ألف تالير، ولم يقع أن تصرف بمثل هذا المقدار للإنفاق فيما مضى، وهو يوسع على نفسه لذلك، ولكن مع الاقتصاد، وهو يقول في كتاب إلى أخيه: «ومن كان يظن منذ عام، حتى منذ ستة أشهر، أنني أستأجر منزلا بخمسة آلاف فلورين، وأنني أستأجر طاهيا فرنسيا إعدادا لعشاء في عيد ميلاد الملك. ويترجح ما أنفقته على تأنيث البيت بين عشرة آلاف تالير واثني عشر ألف تالير، ولما أفرغ من ذلك، ويتألف الأثاث - على الخصوص - من الأواني الفضية والبرونزية والزجاجية والصينية، ولم يكن ثمن البسط والرياش عاليا مثل ذلك، وهنا لا يأكل أحد طبقين بشوكة واحدة فيجب أن تحتوي الوليمة لثلاثين شخصا مائة طقم من السكاكين والشوكات والملاعق على الأقل. والآن أجدني مكلفا بإقامة حفلة راقصة لثلاثمائة شخص. والاستغلال من دأب العمال والتجار هنا، والنفقات العقيمة عظيمة هنا، دع عنك الخدم الاثني عشر الذين يتألف نصفهم من الذكور ونصفهم الآخر من الإناث، وأفضل على ذلك إمرتي على ثلاثين خادما في الريف.»
ولم يحدث في مجتمع الطماعين ذلك أن بدأ أحد مثل مهنته بمثل طبيعته، ولكننا عندما نسمع بسمارك - بعد رحلات يتوجه إلى البلاط، وبعد زيارات يقوم بها لدى البلاط - يجادل في عدد السكاكين والملاعق، أو عندما يقول إن حوذيه الشائب في حلته الجديدة يبدو كأحد الكونتات؛ نبصر أنه نشأ متوسط الحال مع أخيه، وأن «رجل العالم العظيم» - كما تدعوه فتيات بوميرانية - ليس سوى شريف قليل اليسر دعي إلى تمثيل الدولة بغتة، وما كان من تلك الأوصاف الفلاحية؛ أي من اقتصاده الذي هو وجه جديد لسابق إسرافه، ومن رغبته في زيادة تراثه، ومن دفعه الضرائب عن أملاكه، ومن حيازته جديد الأملاك وجمعه الغاب والقرى في سبيل حفدته، فأمور لازمته حتى آخر عمره، وهذه الأمور، وإن كانت سببا لغضبه في بعض الأحيان، ما انفكت تكون مصدر قوة له على العموم؛ وذلك لما كانت توجبه من حكمته في اقتصاد الدولة كما في تدبير شئونه الخاصة، وقد نمت تلك الأمور في رب الأسرة الذي أضحى رب الشعب.
والزهو الطبقي أمر بارز لدى ذلك الشريف الذي شق طريقه فجأة إلى المجتمع الراقي، والزهو الطبقي في ذلك الشريف أعظم مما في الكونت تون الذي كان شعوره بمنزلته يأذن له في دعوة أثرياء التجار بفرانكفورت إلى العشاء، ويجيء في تقرير رفعه بسمارك إلى رئيسه وزير الخارجية مانتوفل: «إن من موجبات سروري أن رقصت رقصة الكدريل مع كثير من نساء ملتزمي الأثاث في منزلي، وما وجدته من أنس هؤلاء السيدات فينسيني ما يسلمه إلي أزواجهن من القوائم العالية والسلع الرديئة، وكانت تجاهي زوجة ماجد بلغت من الرقة ما كانت تتحفني معه بالسغاير، وبلغ زوج جارتي من اللطف ما جهز معه زوجتي، أول من أمس، بستائر النوافذ.» فهذه لهجة رجل لا يرى معدلا له عن نزاع الطبقات حتى في السياسة الداخلية.
صفحة غير معروفة