74
وهو لهذا ينتقد بشدة ذلك الرأي الذي ذهب إليه ابن سينا ومن أخذ أخذه حتى رتبوا صدور الموجودات عن الله على نحو خاص، فلا يصدر عنه مباشرة إلا العقل الأول، ثم تصدر باقي الموجودات بعضها عن بعض على ما هو معروف حسب نظرية العقول العشرة.
75
وابن رشد بعد نقده لابن سينا الذي أثار الغزالي ضد الفلاسفة بسبب رأيه الخاطئ، لم ينس أن يشير في «تهافت التهافت» إلى كيفية فهم صدور الكثرة عن الله، إنه يرى مستلهما أرسطو، أن العالم بجميع أجزائه مرتبط بعضه ببعض، وأن وجوده تابع لهذا الرباط الذي يؤلف بين أجزائه، وأن هذا الرباط هو الذي يوجب كون هذه الأجزاء «معلولة بعضها عن بعض، وجميعها (معلول) عن المبدأ الأول، وأنه ليس يفهم من الفاعل والمفعول والخالق والمخلوق في ذلك الوجود إلا هذا المعنى فقط.»
76
وإذا كان الأمر هكذا، يكون من الحق القول بأن العالم بجميع أجزائه المختلفة فعل لله، وصادر عنه باعتباره خالقا له؛ لأنه هو الذي أعطاه الرباط الذي يؤلف بين أجزائه ويجعلها وحدة بعضها معلول عن بعض، «ومعطى الرباط هو معطى الوجود» كما يقول فيلسوف الأندلس، وبهذا المعنى نفهم ما أثر عن أرسطو من أن «العالم واحد صدر عن واحد»، وليس على المعنى الذي فهمه الفارابي وابن سينا فاستوجبا نقد الغزالي العنيف.
وهكذا أخيرا يرى ابن رشد أنه قد صح له القول بأن الله هو خالق العالم بإرادته واختياره، وحقيقة لا مجازا ولا تلبيسا، وإن كان العالم قديما مساوقا لله تعالى في الوجود، وإن كان أيضا مختلف الأجزاء. (3-3) العلم الإلهي
رأى الغزالي أن يكون الكلام في هذه المسألة على مراحل ثلاث: مناقشة ابن سينا في أن الله يعلم ذاته وغيره، تعجيز الفلاسفة عن إثبات أن الله يعرف ذاته حسب مذهبهم في كيفية صدور العالم عنه، إبطال قولهم بأن الله لا يعلم الجزئيات. (أ)
يبدأ حجة الإسلام ببيان أن المسلمين، ما عدا الفلاسفة، مجمعون على أن الله يعلم كل شيء؛ إذ يرون أن كل الموجودات حادثة بإرادته، وأن كل ما يكون في العالم يحصل بإرادته كذلك، فمن الطبيعي أن يكون الكل معلوما له؛ لأن المراد لا بد أن يكون معلوما للمريد.
أما الفلاسفة؛ وقد نفوا الفعل الإرادي لله بما ذهبوا إليه من قدم العالم وصدوره عن الله صدور المعلول عن علته، فلا يمكنهم إثبات العلم لله تعالى.
صفحة غير معروفة