فهتفت خديجة وأمها في نفس واحد: كشكش بك!
ليس الاسم غريبا عليهم، اقتحم ذكره الدور، وتغنى بأغانيه كل من هب ودب، ولكنه على ذلك يبدو بعيدا كأبطال الخرافات، أو كزبلن إبليس السماء. أن يذهب ياسين بزوجه إليه أمر مختلف جدا ليس دونه أن يقال ذهبا إلى محكمة الجنايات. رددت الأم عينيها بين خديجة وفهمي، وتساءلت فيما يشبه الخوف: متى يعودان؟
فأجابها فهمي وابتسامة لا معنى لها تفغم على شفتيه: بعد منتصف الليل، وربما قبيل الفجر.
صرفت الأم الجارية، وانتظرت حتى غاب وقع أقدامها، ثم قالت في لهوجة وانفعال: ماذا دهى ياسين؟! كان جالسا بيننا في كامل عقله ... ألم يعد يعمل حسابا لأبيه؟
فقالت خديجة في حنق: ياسين أعقل من أن يدبر رحلة كهذه، ليست قلة العقل عيبه ولكن به خنوع لا يليق بالرجال، أقطع ذراعي إن لم تكن هي التي حرضته.
فقال فهمي مدفوعا برغبة في تلطيف الجو المتوتر، وإن نفر بطبعه الموروث من جرأة أخيه: ياسين ذو ميل قديم إلى الملاهي.
فضاعف دفاعه من حنق خديجة التي اندفعت قائلة: لسنا بصدد الحديث عن ياسين وميوله، له أن يحب الملاهي كما يحلو له، أو أن يواصل السهر في الخارج حتى مطلع الفجر كلما شاء، ولكن اصطحاب زوجه المصون معه فكرة لا يمكن أن تصدر عن ذاته، فلعلها جاءته عن إيحاء عجز عن مقاومته خصوصا وأنه يبدو مستكينا بين يديها كالقطة الأليفة، ثم إنها فيما أرى لا تتورع عن رغبة كهذه. ألم تسمعها وهي تروي قصص الرحلات التي شاهدتها بصحبة والدها؟! لولا إيحاؤها ما أخذها معه إلى كشكش بك - يا للفضيحة! - في هذه الأيام السود التي ينجحر فيها الرجال في البيوت كالفيران رعبا من الأستراليين.
لم يقف التعليق على الحادث عند حد لما أثاره في النفوس - سواء المهاجمة أو المدافعة أو المحايدة - من امتعاض، كمال وحده تابع النقاش المحتدم في صمت يقظ، من دون أن يفطن إلى السر الذي جعل من كشكش بك جريمة نكراء استوجبت ذاك النقاش كله وذاك الكرب كله، أليس كشكش هذا صاحب التمثال الصغير الذي يباع في الأسواق بجسم متوثب في دعابة ووجه ضاحك ذي لحية عريضة وجبة فضفاضة وعمامة مقلوظة؟ أليس هو من تنسب إليه الأغاني المرحة التي استظهر بعضا منها ينشده مع صديقه فؤاد بن جميل الحمزاوي وكيل أبيه؟ فبأي شر يتهمون هذه الشخصية اللطيفة التي ارتبطت في خياله بالفكاهة والمرح؟ ... لعل مصدر هذا الكدر إلى اصطحاب ياسين لزوجه لا إلى كشكش بك نفسه، فإن كان ذلك كذلك، فهو يتفق معهم في الانزعاج من جرأة ياسين، خصوصا وأن زيارة أمه للحسين، وما أعقبها من أحداث لا يمكن أن تبرح مخيلته، أجل كان الأجدر بياسين أن يذهب وحده، أو أن يأخذه «هو» إن كان يريد رفيقا، لا سيما وأنه في عطلة الصيف فضلا عن نجاحه المتفوق في المدرسة، وما يدري إلا وهو يقول متأثرا بأفكاره: ألم يكن من الأفضل أن يأخذني أنا؟!
اندس تساؤله في الحديث كما تندس نغمة غربية مقتبسة في لحن شرقي صميم، فقالت خديجة: من الآن فصاعدا يحق علينا أن نعذرك في قلة عقلك!
فندت عن فهمي ضحكة قائلا: ابن الوز عوام.
صفحة غير معروفة