فابتسمت خديجة ابتسامة خفيفة، ولم تنبس بكلمة، فهتف بدهشة: هل عرفت الأدب والحياء أخيرا!
بيد أن وجهه نطق وهو يمازحها بالرضا والغبطة، فلم يعكر صفوهم إلا حين تساءل كمال في قلق: أتتركنا خديجة أيضا؟
فقالت الأم تعزيه وتعزي نفسها: ليست السكرية بعيدة.
على أن كمال لم يستطع أن يدلي بما عنده في حرية كاملة، إلا حين انفرد بأمه ليلا، فتربع قبالتها على الكنبة، وسألها بصوت ينم عن الاحتجاج واللوم: ماذا جرى لعقلك يا نينة؟ ... أتفرطين في خديجة كما فرطت في عائشة؟
فأفهمته أنها لم تفرط فيهما، ولكنها ترضى بما يسعدهما. فقال محذرا كأنما ينبهها إلى شيء فاتها ويوشك أن يفوتها مرة أخرى: ستذهب هي الأخرى، ربما ظننت أنها ستعود كما ظننت بعائشة، ولكنها لن تعود، وستزورك إذا زارتك كالضيفة، فما إن تشرب القهوة حتى تقول لك السلام عليكم، إني أقولها في صراحة إنها لن تعود .
ثم محذرا وواعظا في آن: ستجدين نفسك وحدك بلا رفيق، من يعينك على الكنس والتنفيض؟ ... من يعينك في حجرة الفرن؟ من يجالسنا في جلسة المساء؟ ... من يضحكنا؟ ... لن تجدي إلا أم حنفي التي سيخلو لها الميدان لسرقة طعامنا كله.
فأفهمته مرة أخرى أن السعادة لن تكون بلا ثمن، فقال محتجا: ومن أدراك أن في الزواج سعادة؟! أؤكد لك أنه لا سعادة مطلقا في الزواج، كيف يحظى أحد بالسعادة بعيدا عن نينة؟
ومردفا بحماس: ثم إنها لا ترغب في الزواج كما لم ترغب فيه عائشة من قبل ... لقد صارحتني بذلك ذات ليلة في فراشها!
ولكنها قالت له إنه لا بد للفتاة من أن تتزوج، فلم يتمالك من أن يقول: من قال بأنه لا بد للفتاة من أن تذهب إلى بيوت الغرباء! ... ثم ماذا تفعلين لو أجلسها الآخر على الشيزلنج وتناول ذقنها هي الأخرى و...
عند ذاك زجرته وأمرته بألا يتكلم فيما لا يعنيه، فضرب كفا بكف وهو يقول منذرا: أنت حرة ... وسترين!
صفحة غير معروفة