قلت: وكيفية القياس الأولى أن ينص الله تعالى على أخف الحكمين تحريما أو وجوبا فيعرف بذلك النص أن مراده تعالى انتفاء الأغلظ؛ لأن الأخف بعض الأغلظ، فكأنه نص على تحريم بعض الحكم لينتفي الكل كمن يقول: لا يحل من الربا درهم فأولى أنه لا يحل درهمان، ومثال ذلك قوله تعالى:[ ] {ولا تقل لهما أف}(1) فالتأفيف أخف في التحريم من الضرب والقتل، فإذا حرم حرما بالأولى والأحرى ولا ينكر ذلك وأمثاله إلا سخيف عقل أو مكابر لا دين عنده، وحقيقة القياس الأولى في الجواز أن ينص الله تعالى على جواز أعظم الحكمين وأعلاهما خطرا وقدرا ليعلم بذلك النص أن الأدنى من الحكمين والأقل خطرا يجوز بالأولى كقوله تعالى:[ ] {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون}(2) فالإمامة أقل خطرا وأقل قدرا من الرسالة وإنما وسعنا في هذا الباب ليتفكر في ذلك الناظر بعين الإنصاف من إخواننا أهل العلم والعمل به كثرهم الله تعالى.
صفحة ١٠٣