وأما الآخر: فكان الأستاذ الدكتور صبري السوربوني.
وقد جد وكد وتقدم للامتحان مرة ومرة، ولكن عقدة اللاتينية أدركته، فكان إذا أقبل على الامتحان وتلقى النص اللاتيني الذي يجب أن يترجمه إلى الفرنسية ألقى عليه نظرة سريعة، ثم طواه وقدم إلى الممتحنين صفحة بيضاء لم يمسها خطأ أو صواب. وانصرف ضاحكا يتمثل ببيت لاتيني قديم يصور اليأس والقنوط، ولكنه لم يعرف يأسا ولا قنوطا، ولم يذعن لعقبة أو صعوبة، وإنما حاول وطاول وألح في المحاولة والمطاولة حتى تقدم للامتحان ذات يوم وتلقى النص اللاتيني فلم ينظر فيه نظرة سريعة، وإنما أقبل عليه فترجمه وقدم إلى الممتحنين صحفا أتاحت له الفوز والنجح.
وكان صاحبنا ثالث هذين الزميلين، وكان قد عرف من أمر صاحبيه ما يحتملان من مشقة وما يبذلان من جهد، وما يلقيان من إخفاق، فلم يفل ذلك من عزمه، وإنما مضى في درس اللاتينية في بيته وفي السوربون مصمما على أن يظفر بهذه الدرجة مهما يكن دونها من العقاب.
ولكن مشكلة خطيرة عرضت له، وكانت خليقة أن تفسد عليه أمره كله، ولم يكن بينها وبين الدرس صلة، فهو قد خطب تلك الفتاة إلى نفسها وإلى أسرتها، وقد قبلت الفتاة خطبته بعد تردد طويل، وقبلتها الأسرة بعد امتناع وإباء، ولكن صاحبنا لم ينس إلا شيئا واحدا، وهو أنه قد أعطى الجامعة قبل أن يسافر إلى أوروبا ذلك العهد الذي كان يعطيه أعضاء البعثة جميعا قبل سفرهم ألا يتزوج في أثناء إقامته في الخارج طالبا للعلم.
وهو لم ينقض هذا العهد؛ لأنه خطب ولم يتزوج ولكنه عجل إلى الزواج، فليس له بد إذن من استئذان الجامعة أو نقض العهد الذي أعطاه لها، وقد أزمع أن يستأذنها، وكتب إليها في ذلك، ولكنه كان يطيل التفكير في عواقب هذا الكتاب، كان يرجح ألا تأذن له الجامعة، وكان يسأل نفسه فيطيل السؤال عما يكون من أمره إن رفضت الجامعة الإذن له فيما يريد.
وكان ذلك ربما نغص عليه حياته من حين إلى حين، ولكن الجامعة كانت أرأف به وأرحم له مما قدر، فأذنت له بعد خطوب لم يعرفها إلا بعد أن أتم درسه وعاد إلى مصر. أذنت له الجامعة إذن، ولكنه هو لم يأذن لنفسه ولم تأذن له الفتاة حتى يظفر بدرجة الليسانس هذه التي لم يظفر بها مصري بعد، وحتى يشعر الجامعة بأنه صاحب جد ونشاط وإنتاج لا صاحب لعب وكسل واشتغال بنفسه عما يجب عليه من الدرس والتحصيل.
والغريب من أمر صاحبنا أنه لم يكن في ذلك العام يتهيأ لامتحان الليسانس وحده، وإنما كان في الوقت نفسه يعد رسالته للدكتوراه، وقد زاده إذن الجامعة له بالزواج جدا وكدا ونشاطا، حتى كان العام الأول لخطبته غريبا حقا، كلف فيه نفسه وخطيبته من الأمر أعسره وأشده مشقة.
ولم ينس الفتى قط ولم تنس صاحبته، أنهما كانا يخرجان بين حين وحين في أيام الآحاد من باريس يطلبان النزهة والتروض، فلم يخرجا قط وحدهما وإنما صحبهما دائما كتاب من هذه الكتب الثقال التي ترهق القارئين فيها من أمرهم عسرا؛ والذين يعرفون كتب أوجست كونت ويقدرون ما فيها من العسر الذي يتصل بمعانيها وألفاظها وأسلوبها، يرحمون هذين الخطيبين اللذين كانا يختلفان إلى هذه الغابة أو تلك من الغابات التي تحيط بباريس، فيأويان إلى ظل شجرة من أشجارها ويأخذان في هذه القراءة العسيرة الشاقة المرهقة التي لم يكن بينها وبين ما كان يملأ قلبيهما من الحب والأمل سبب قريب أو بعيد.
وقد أقبلت بوادر الصيف من ذلك العام وجعل الفتى يستعد للامتحان، ثم دفع إليه في شهر يونيو فلم يتردد ولم يتلكأ، وإنما أقدم في عناد أي عناد، لم يكن واثقا بنفسه ولا مطمئنا إلى نتيجة هذه المغامرة التي يقدم عليها، ولكنه كان يقول لنفسه إن أتيح لى النجح فرمية من غير رام، وإن كتب علي الإخفاق فما أكثر الذين يخفقون!
وكان مزمعا إن ظفر بالنجح أن يبرق به إلى الجامعة، وإن كتب عليه الإخفاق أن يكتمه ويجعله سرا بينه وبين نفسه إن أمكن أن يكتم الإخفاق في الامتحان، ومن حوله زملاؤه المصريون يرقبونه رفاقا به مشجعين له عاطفين عليه.
صفحة غير معروفة