بعد عشرة أعوام وأنا أمشي داخل حديقة الحيوان التقيت أحمد حلمي وجها لوجه، كان ذلك في يوم حار من صيف عام 1963، كنت أهبط في الصباح الباكر من بيتي في شارع مراد، أمشي مسافة دقيقة أو دقيقتين لأصبح في شارع الجيزة، أمام باب حديقة الحيوان. لم أكن أدفع رسوم الدخول، أصدر الطبيب البيطري للحديقة أمرا بإعفائي من الرسوم، قلت له: إنني أكتب رواية طويلة جديدة، وأن الوحي لا يهبط علي إلا وأنا أتمشى في ممرات الحديقة. كان رسم الدخول خمسة قروش فقط، ليست لها قيمة الآن، كانت تبدو لي منذ سبعة وثلاثين عاما مبلغا كبيرا لا يمكنني دفعه كل صباح، وكان الطبيب البيطري يتابع ما أنشره من قصص ومقالات. - وإيه عنوان الرواية الجديدة يا دكتورة نوال؟ - الباحثة عن الحب يا دكتور.
لمعت عيناه الضيقتان لحظة ثم انطفأ البريق، كأنما عادت إلى ذاكرته صورة من الماضي البعيد، كان رجلا قصيرا ممتلئ الجسم في الخمسين، يبدو لي عجوزا وأنا في مرحلة الشباب. كنت أقف أمام جبلاية القرود، تلفت حوله في دهشة يتأمل وجوه الحيوانات، كان الشمبانزي جالسا مربعا فوق جذع شجرة يشبه الإنسان. تركته واقفا يتأمله وسرت إلى حديقة الشاي، هناك كانت المنضدة التي أجلس إليها كل يوم وأكتب الرواية، أتسلى بمراقبة البط في البحيرة الصغيرة، يسبح تحت أشعة الشمس الذهبية، يفرد أجنحته ويطير فوق سطح الماء، ينفض عن ريشه الرذاذ، تتناثر من حوله القطرات اللؤلؤية، تشع ضوءا مثل ذرات تتساقط من الشمس.
كنت أكتب الفصل الأخير من الرواية، كانت البطلة قد أعلنت لبطل القصة أن ما بينهما قد انتهى، وسألها بدهشة كيف ينتهي الحب؟! قالت: الحب ينتهي مثل زهرة تموت ولا تعود، مثل فراشة تطير فوق الزرع يقبض عليها الأطفال وتموت في أيديهم. سألها: هل في حياتك رجل آخر؟ قالت: ليس في حياتي رجل آخر، لكن في حياتي نساء ورجال كثيرون، بعد أن خرجت من خندق الحب إلى الحياة الواسعة.
رفعت وجهي من فوق الأوراق، كانت الشمس قد مالت نحو الغرب، أسراب البط عادت إلى بيوتها، رأيت إلى جواري شخصا واقفا، كان يرتدي قميصا أبيض، ونظارة سوداء تخفي عينيه، ابتسم قليلا، تذكرته على الفور. - أهلا يا أحمد. - إزيك يا نوال!
لم تعد كلمة نوال بصوته تهزني، لا شيء يدق تحت ضلوعي، لعب الزمن دوره في نسيان الألم والحزن والفرح والحب، قميصه الأبيض أصبح مثل أي قميص، نظارته السوداء مثل أي نظارة سوداء، واسمه أحمد حلمي أنطقه كأي اسم عادي.
جلس معي بعض الوقت قبل أن ينصرف، طلبت له كوب شاي، قال: أتذكرين حين جلسنا هنا في أول لقاء لنا منذ اثني عشر عاما؟!
كنت أذكر اللقاء الأول، لم تعد الذكرى تؤلمني أو تفرحني، جلست معه أشرب الشاي كما أجلس مع أي زميل أو صديق، أتكلم معه بحرية وسهولة، أصبحت العلاقة بيننا أكثر إنسانية.
لم تعد علاقة بين رجل وامرأة، تحررنا من ثقل التاريخ والإرث العبودي القديم، جلست معه ودار الحوار بيننا أجمل مما كان، نكهة الشاي أصبحت أحلى مما كانت، أصبح أحمد إنسانا بعد أن كف عن أن يكون زوجي.
إجهاض الثورة
صباح السبت 15 يوليو 2000.
صفحة غير معروفة