وفتح نوار الغصون جفونه
وفيها البقايا الناعسات من السحر ...
وأصبحت كالسلوى ترفرف نازلا
سلاما على قلب الغدير أو النهر ... ... فجئني بسر الزهر والماء والندى
لعلي بها أطفي جوى الحب في صدري
صلاة في المحراب الأخضر
شجراتي «ولما غضبت ويبس ما بينهما، ضاق بهجرها، فانصرف إلى شجرات كان يخلو إلى نفسه في ظلها ونضرتها ونسيمها وما فيها وما حولها، وظن أنها تنبت شيئا في جدب الهوى أو ترمي بظل على رمضاء القلب فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر ... وهناك كتب هذه الرسالة في الربيع، ثم التي بعدها في الشتاء».
لي صديقات من الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات، وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب؛ لأن فيها شيئا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي، ولا أجد برهانه في لساني، فإذا هممت أن أبين عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة حتى لا يزيده البيان إلا غموضا وسوء معرض، ولكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد وغصونهن المنثنية - شمائل حبيبة إلى نفسي، ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب، ثم لا تقع منه إلا في الموضع الذي مسته يوما نفحة أو قبلة أو تنهد.
وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب أو بما لها في القلب من الأثر، ولرب شيء تافه لا خطر له ولا غناء فيه، ثم يكون في يد محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر فإذا هو قد تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته، فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة، فيرتفع ثم يرتفع، حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه، ويكون ما هو كائن، ومع ذلك تنبعث منه روح ذات جلال أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني.
هذه صغائر الحياة متى خالطها أثر القلب أصبحت في الحياة أكبر كبائرها، كأن قلب كل إنسان هو النقطة المحدودة له من الكون، والكون كله مبعثر من حوله، فلا بداية لشيء ولا نهاية لشيء، ولا قرب ولا بعد، ولا صغر ولا كبر، ما يكن له قياس إلى القلب، والحب قدرة إنسان على قلب إنسان فهو من ثم قدرة على الكون المتصل بالعاشق، وهو بهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء، إلا عن التصرف في مخلوق واحد، وهو بكل ذلك إما حقيقة كبرى وإما سخرية كبرى. •••
صفحة غير معروفة