في تلك الأيام الطوال التي قضتها أوليفيا في غرفتها، أدركت شيئا فشيئا وجود الوافد الجديد بمنزل «بروك كوتيدج». كان ذلك قد بدأ ليلة وفاة جاك بصوت موسيقاه تنساب عبر الأهوار، وبعد انتهاء مراسم الجنازة تحدثت سابين عنه مع أوليفيا بحماس غير معهود منها على الإطلاق. وكانت قد لمحته مرة أو مرتين يعبر المروج متجها صوب مداخن أوهارا اللامعة أو ماضيا في الطريق الذي يقود إلى البحر عبر الأهوار - كان شابا طويل القامة أصهب الشعر، في مشيته عرج طفيف. واكتشفت أن سيبيل كانت تلوذ بالصمت بخصوصه على نحو غريب، ولكن حين كانت تسأل الفتاة عن خططها لقضاء اليوم كانت، عادة، تجد أن لتلك الخطط صلة به. وعندما كانت تتحدث عنه، كان يبدو الخجل على سيبيل وتقول: «إنه لطيف جدا، يا أمي. سآتي به إلى هنا عندما تكون لديك رغبة في مقابلة الناس ... كنت أعرفه في باريس.»
وبحكمة، لم تلح أوليفيا عليها بالأسئلة. وعلاوة على ذلك، كانت سابين قد أخبرتها بكل ما يمكن معرفته تقريبا ... ربما بأكثر مما كانت سيبيل نفسها تعرف.
قالت سابين: «إنه ينتمي قطعا إلى عائلة هامة ... عنيد ومتهور ومفعم بالحيوية. ربما تكون والدته هي أروعهم جميعا. إنها امرأة ساحرة عاشت جل حياتها في ترف بباريس ... وليس في واحدة من المستعمرات الأمريكية. وهي لا تقلد أحدا وعاجزة عن التظاهر بأي شكل من الأشكال. لقد عاشت هناك، بمفردها إلى حد ما، على المال ... الكثير من المال ... الذي يأتي فيما يبدو من مصانع الصلب في بلدة قذرة بالغرب الأوسط. إنها واحدة من أعز صديقاتي ... امرأة تفتقر إلى الذكاء، لكنها جميلة للغاية ورزقت جاذبية مدمرة. إنها واحدة من النساء اللاتي خلقن من أجل الرجال ... فهم يجدونها لا تقاوم، وأظن أنه كان يوجد رجال في حياتها دوما. لقد خلقت من أجل الرجال، ولكن ذوقها مثالي، لذا أخلاقها لا تهم.»
بدا أن المرأة ... بل وعائلة جان دي سيون كلها ... تثير إعجاب سابين أثناء جلوسها لتناول الشاي مع أوليفيا؛ لأنها واصلت الحديث عنهم، أكثر بكثير من المعتاد، فوصفت منزل والدة جان، وأصدقاءها، والأشخاص الذين كان المرء يلتقي بهم على العشاء عندها، وكل شيء يمكنها أن تخبرها به. «إنها من نوعية النساء الموجودات منذ الأزل. ثمة بعض الغموض الذي يحيط بالمرحلة الأولى من حياتها. الأمر له علاقة بوالد جان. لا أظن أنها كانت سعيدة معه. لا يأتي ذكره مطلقا. بالطبع، تزوجت مرة أخرى من رجل فرنسي ... أكبر سنا منها بكثير ... رجل بارز جدا، عمل في ثلاثة مجالس وزراء. ومنه حصل الصبي على اسمه الفرنسي. لقد تبناه الرجل المسن وعامله مثل ابنه. دي سيون هو اسم ذو سمعة طيبة في فرنسا، واحد من أفضل الأسماء؛ ولكن بالطبع لا تجري في عروق جان أي دماء فرنسية. فهو أمريكي خالص، ولكنه لم يكن قد رأى بلاده مطلقا حتى الآن.»
أنهت سابين تناول الشاي وبينما كانت تضع فنجانها على الطاولة الكلاسيكية من طراز ريجنسي (التي ورثتها أوليفيا عن أمها وشقت طريقها بأناقة إلى داخل منزل يزخر بالأثاث الأمريكي البدائي ذي الطابع الجامد) أضافت قائلة: «إنها عائلة بارزة ... جامحة ومضطربة. كان لجان خالة توفيت في دير الرهبنة الكرملية ببلدة ليزيو الفرنسية، وابنة خالته تدعى ليلي بار ... موسيقية رائعة حقا.» تطلعت من النافذة وبعد دقيقة قالت بصوت خفيض: «ليلي بار هي السيدة التي تزوجها زوجي ... ولكنها تطلقت منه، هي الأخرى، والآن نحن صديقتان ... أنا وهي.» ترددت ضحكتها الرنانة الجامدة المألوفة، وأردفت قائلة: «يخيل إلي أن تجربتنا معه جعلتنا متعاطفتين ... حسنا، أنا أعرف العائلة جيدا. إنها سلالة تخرج للحياة أشخاصا نوابغ ... يعيشون في اللحظة الحالية.»
لم تقل إن جان وأمه وابنة خالته المضطربة يثيرون إعجابها لأنهم بطريقة ما يمثلون الحرية التي جاهدت لنيلها خلال السنوات التي هربت فيها من دورهام. كانوا ينعمون نوعا ما بالتحرر من الدول، ومن المدن، ومن القوانين، ومن الأحكام المسبقة، بل بشكل أو آخر من القوميات. وكانت قد أملت يوما أن يولي جان اهتماما بابنتها تيريز العنيدة والمستقلة والذكية، ولكن من منطلق خبرتها بالحياة كانت قد فقدت ذلك الأمل منذ وقت طويل، لعلمها بأن صبيا جامحا ورومانسيا، متأثرا جدا بنشأته وسط الفرنسيين، شابا متمتعا برجولة تامة، كان من المؤكد أنه سيسعى وراء فتاة أرق وألطف وأكثر أنوثة من تيريز. عرفت أنه لا مفر من وقوعه في حب فتاة مثل سيبيل، وكانت تشعر نوعا ما بالسرور لأن هذا كان يتوافق على نحو رائع مع خططها المتأنية. كانت متأكدة من أن عائلة بينتلاند ستنظر إلى جان دي سيون باعتباره شخصا غجريا، عندما يعرف أفرادها الحقيقة الكاملة ...
أدهشتها التكهنات. ثبت لها أن فصل الصيف، حتى مع شبح موت جاك الذي يحوم حول المكان، لم يكن مروعا كما كانت تخشى؛ وهذا التطور الجديد أثار اهتمامها باعتباره شيئا لم تكن قد لاحظته من قبل أبدا ... قصة حب شاعرية بين شابين بدا لها كل منهما شخصا مثاليا وجذابا.
5
كان الأمر كله قد بدأ قبل عام تقريبا في يوم احتفال مدينة باريس بأكملها بالذكرى السنوية للهدنة، وفي صباح ذلك اليوم خرجت سيبيل مع تيريز وسابين ليضعن إكليلا من الزهور إلى جوار شعلة قوس النصر (لأن الحرب كانت واحدة من الأشياء التي اختارت سابين، بما لا يمكن تفسيره، أن تظهر المشاعر نحوها ). وبعد ذلك لعبت في الحديقة مع الكلاب التي لم تكن المدرسة في بلدة سان كلو لتسمح بالاحتفاظ بها، ثم عادت إلى المنزل لتجد امرأة جذابة وجميلة ربما في الخمسين من عمرها - مدام دي سيون، التي كانت قد جاءت لتناول الغداء مع ابنها، الشاب ذي الأربعة والعشرين عاما الطويل القامة والفارع والنحيل، ذي الشعر الأصهب والعينين الزرقاوين الداكنتين والصوت الرنان المبهج. واحتفالا بذلك اليوم، كان يرتدي زي الفرسان الأسود والفضي الخاص به، وبسبب إصابة قديمة كان في مشيته عرج طفيف. وعلى الفور تقريبا (تذكرت هذا حين كانت تفكر فيه) نظر إليها بإعجاب واضح وهو ما منحها شعورا بإثارة ممتعة كان جديدا تماما عليها.
كان قد استحوذ عليها شيء ما عندما رأت الزي الرسمي، أو ربما تأثرت بالمشاعر السائدة في الأجواء، أو بصوت الموسيقى العسكرية، أو بأصداء أنغام النشيد الوطني الفرنسي وقصيدة «سامبغ إيه ميوز» الغنائية، أو مشهد الجنود في الشارع وقوس النصر بشعلته المتقدة هناك ... شيء في الأجواء الباريسية، شيء أحبته بشغف. كان شيء قد أخذ يحتشد في تلك اللحظة، واستقر على الشاب الغريب الذي أخذ يرمقها بعينين تفيضان بالإعجاب.
صفحة غير معروفة