الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
وثانيها: أن كل واحد من الفاعل والمفعول قيد للفعل دون العكس، والقيد أحق بالمعية من الأصل، وفيه أن الفاعل والفعل ظرفا النسبة، وليس شيء منهما أصلا للآخر على أنك عرفت استحقاق الفعل للمعية، وثالثها: أن قوله: فإذا لم يذكر متعلق بالمفعول دون الفعل، وفيه أنه محتمل كما لا يخفى، وكأنه تنبه الشارح لاحتمال الكلام للوجهين، فسوى بينهما في المختصر، ونحن اقتفيناه على هذا الأثر، والمراد بذكره معه أعم من الذكر لفظا أو تقديرا؛ لأنه كون الغرض إفادة التلبس لا يخص الذكر لفظا، والأولى من جمعه معه (إفادة تلبسه به) نفيا أو إثباتا (لا إفادة وقوعه) نفيا أو إثباتا (مطلقا) أي من غير بيان تلبسه بالفاعل أو المفعول، كذا فسره الشارح المحقق، وحينئذ قوله: لا إفادة وقوعه مطلقا عار من الفائدة إذا كل أحد يعلم أنه مع ذكر شيء منهما لا يكون الغرض إفادة الوقوع فقط من غير تلبس بالفاعل، فالأوجه أن قوله مطلقا تأكيد للنفي، أي: لا إفادة وقوعه أصلا إذ مناط الإفادة هو القيد، والأصل مع القيد مسلم مفروغ عنه، لكن قوله: مطلقا فيما بعد، يؤيد ما ذكره الشارح، ولا يخفى أن الغرض من ذكر الفاعل والمفعول لا ينحصر في إفادة التلبس، بل يتوقف فهم معنى الفعل عليهما، أما الفاعل فبين، وأما المفول به، فلشهادة تعريف المتعدي له، وهذا الكلام توطئة لبحث حذف المفعول به، كما نبه عليه بقوله: (فإذا لم يذكر معه) أي: لم يذكرا واحد منهما مع الفعل، أو لم يذكر الفعل مع واحد منهما، والوجه هو الثاني؛ لأن الأول يشعر بترك المفعول، وذكر الفعل الثاني يفيد ترك المفعول، وذكر الفعل بلا خفاء (فإن كان الغرض إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا) فيكون ما لم يذكر مفعولا به، وترك ما إذا كان المذكور غير الفاعل، فإنه قد تقرر في النحو أمره من أنه لا يقدر الفاعل، بل ينوب المفعول منابه، وتغير صفة الفعل على أنه من أحوال المسند إليه، واعلم أن شرح هذا المقام على هذا الوجه من خصائصنا، والشارح جعل ضمير ذكره إلى كل واحد منهما، ولا يخفى أنه ليس قدرا مشتركا بين المشبه والمشبه به، بل القدر المشترك واحد منهما، وأنه ليس الغرض من الذكر مع كل منهما إفادة التلبس بكل منهما؛ بل بواحد منهما، وجعل ضمير فإذا لم يذكر إلى المفعول به، وهو خلاف السوق، والمراد بالإطلاق # نظرا إلى الإطلاق السابق على ما فسره الشارح أن لا يتقيد بالمفعول به، لكن فسره المصنف في الإيضاح بالإطلاق عن المفعول عاما كان أو خاصا، والإطلاق عن عموم نفس الفعل بإرادة جميع أفراده، وعن خصوصه بإرادة بعض أفراده، وفيه أن التنزيل منزلة اللازم لا يتوقف على الإطلاق بهذا المعنى، فإن لك أن تقول:
فلان يعطي كل إعطاء أو إعطاء كذا (نزل منزلة اللازم) لم يقل: جعل لازما؛ لأنه في معنى المتعدى، لأن يعطي بمعنى: يفعل الإعطاء، إلا أنه لما كان المفعول داخلا في معناه لم يحتج إلى ذكر مفعول، فصار كاللازم في أنه لا يطلب منصوبا (لأن المقدر) بواسطة القرينة (كالمذكور) في أن الغرض من الفعل إفادة تلبسه به، لا وقوع مفهومه مطلقا (وهو ضربان) أي: المنزل منزلة اللازم نوعان (لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية عنه) أي: عن ذلك الفعل (متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه) أي: على ذلك المفعول (قرينة) ولا بد للمعنى المكني أيضا من قرينة، ولو جعل ضمير عليه راجعا إلى الفعل المتعلق بمفعول مخصوص لم يفت بيان قرينه، لكن يلزم خلو الجملة عن ضمير موصوفها، أي: مفعول مخصوص إلا أن يجعل حالا بعد حال عن قوله عنه بتقدير قد، والاقتصار على الكناية يشعر بنفي صحة التجوز، ولم يقم عليه دليل، ولا دليل على نفي جعله كناية عن فعل متعلق بمفعول عام، فتقول: فلان يعطي بمعنى يعطي كل أحد، لأن العطاء إذا صدر عن مثله لا يخص أحدا، وقوله تعالى:
والله يدعوا إلى دار السلام (¬1) يحتمله؛ لأنه بمعنى توجد منه الدعوة، ودعوته ملزومة لدعوة كل أحد لتقرر عموم لفظه (أولا) يجعل كذلك (الثاني) كقوله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (¬2) مثال للإثبات والنفي على ترتيبهما، وقدمه على الأول لتقدم عدم الجعل على الجعل، والحقيقة على الكناية، ولشرف شاهده، ولاستتباعه ذكر كلام السكاكي في معرفته مزيد دقة النظر، وقد فاز بها المصنف، فله مزيد اهتمام بذكره، وقال الشارح:
صفحة ٥١٣