170

آثرت الحرية

تصانيف

لكن على الرغم من كل ما اتخذته من أسباب الحرص السياسي، فقد كان يشغلني قلق عميق، إذ تصادف لي أن أعلم من مجرى التحقيق في مكتب القسم السياسي أن «دوبنسكي» هذا لأمر لا أدريه كانت تكتنفه غمامة من الريبة من قبل الهيئة الرسمية، مع أنه كان رجلا مسنا هادئا وقورا قادرا، وكان من الجميع موضع الإعجاب، لكنه لما كان قد علم نفسه بنفسه واتسعت مطالعاته، فقد كان يمثل الرجل المثقف من نمط ما قبل الثورة، وهو نمط أخذوا ينظرون إليه عندئذ بأنه يميل بشكل ظاهر نحو الذبذبة السياسية، ولقد كان «دوبنسكي» عضوا في الجماعة «المنشفية» من فريق الديمقراطيين الاشتراكيين برياسة القيصر، ولم يكفه ثمانية عشر عاما يقضيها في عمل يخلص له تحت إشراف السوفيت ليمحو هذه الوصمة الشنيعة من صحيفته.

وقبل كل شيء وأهم من كل شيء، فلقد خيل إلى هؤلاء الذين اصطبغت عقولهم بالصبغة الشرطية، الذين لا يحيون إلا إذا أثاروا الفزع في النفوس، الذين يصعدون على أكتاف غيرهم والذين يتصيدون الأبرياء كما كان الناس يتعقبون السحرة في قديم الزمان، خيل إليهم أن «دوبنسكي» هدف جميل يمارسون فيه أساليب الاضطهاد، وأراد القدر الساخر أن يكون «دوبنسكي» هو الرجل الوحيد الذي تقدم بفكرة عملية في سبيل إعادة الإنتاج إلى مجراه، فلو فشلت تجربته، فالأرجح عندي أن يتخذ «جرشجورن» وعصبته من هذا الفشل فرصة هم في انتظار مثلها؛ لأنهم عندئذ يتهمون هذا الذي كان في ماضيه عضوا «منشفيا» بتهمة التعطيل المتعمد.

ظللت في المصنع مع «دوبنسكي» و«شباشنسكي» أربعة أيام ، ووقف المخبرون التابعون للقسم السياسي جانبا يرقبون، لينزلوا بنا الثبور إذا ما حادت بنا الأمور عن الجادة المستقيمة، لكن أمرنا انتهى إلى عاطفة تضطرب في صدورنا حين اختبرنا الآلة بعد تركيب الأجزاء الجديدة التي صنعت لها حديثا، فإذا الآلة تدور! لقد دارت عجلة الإنتاج دورتها من جديد.

ومع ذلك كله فقد مضى التحقيق في سبيله بضعة أسابيع أخرى، فإن الشرطة لما فشلت في إيجاد شخص أو أشخاص تمثل بهم لما أصاب الآلة عن عطب، أخذها الغيظ وأحست خيبة الرجاء كأنما قد خدعت عن فريستها المشروعة، ولا أظن أن علاقتي برجالها قد حسنت بما تم من إصلاح؛ إذ إنني لم أحافظ تمام المحافظة على كتمان رأيي فأعلنت أن الأمر كله في نظري حادث بسيط لا يستحق كل هذه اليقظة من رجال الشرطة.

كلا ولا حسنت علاقتي على الأيام بمندوبي نقابة العمال أو الحزب، فكاد ألا يمضي أسبوع يخلو من صدام بين حماستهم السياسية وبين وسيلتي في إدارة الإنتاج بعقل فطري سليم، وها أنا ذا أختار من عشرات الحوادث التي وقعت بيني وبينهم عددا قليلا مما أبقته لي الذاكرة، ولا أختار ما أختاره إلا جزافا.

فقد حدث ذات صباح أن وجدت الفرع الذي كنت أشرف عليه من فروع المصنع قد أصابه اضطراب عجيب، فقد حدث شيء من الخلل وأحسست كأنما شحن الجو بالكهرباء، وسرعان ما شهدت السبب، ففي ركن من أركان المكان، وعلى مرأى من كل من كان في المصنع، رصت بعض الأنابيب رصا فنيا ووضع عليها لافتة ضخمة كتب عليها ما يأتي: «يجب أن يعلم عمال هذا القسم ومهندسوه من ذا يعطل الحركة الإستاخانوفية.»

ثم تبع ذلك قائمة طويلة بأسماء، فالظاهر أنهم وجدوا عددا من الأنابيب التالفة، فأرادوا أن يذلوا طائفة المسئولين على هذا النحو، مع أن الأسماء المثبتة في القائمة - فيما أعلم - كلها لعمال مخلصين لا يؤخذ عليهم شيء من التقصير، والعيب في الأنابيب قد يكون راجعا إلى شوائب في صفاء الصلب ولا يمكن إلقاء التبعة جزافا على هؤلاء الناس فأمرت بهذه الأنابيب «المعروضة» وما عليها من لافتة أن تزال عن مكانها، وغضب «ستاروستين» لذلك غضبا شديدا، وقرعني تقريعا على تدخلي في عمله، وهو تربية أعضاء النقابة «تربية سياسية»، ولمح لي تلميحا فيه نغمة التهديد بأنني أغض من شأن ما ينبغي أن يكون ذا شأن.

ولم يمض بعد ذلك طويل وقت حتى شهدت «ماكايف» الذي ابيض شعره مع تقدم السن - وهو عامل كان له في نفسي منزلة لجودة عمله - شهدته يبكي في صمت إذ هو قائم بعمله، فلما سألته ما الخبر، أشار إلى الحائط المقابل، فنظرت فإذا بصورة «هزلية» لهذا العامل قد علقت وكتب تحتها: «متلف للحركة الإستاخانوفية.»

وضرع إلي قائلا: «فكتور أندريفتش، خلصني من هذا العار، فإني أعترف بأني ربما اقترفت إثما، والحقيقة هي أن زوجتي مريضة ولم تغمض لي عين مدى أيام عدة، فلست إلا بشرا ولعل في هذا ما اقترفته من إثم، ألا يكفيهم أن يأخذوا مني لقاء التلف ما اقتطعوه من أجر؟ ألا بد أن يضيفوا إلى ذلك هذا التعريض بي لهزء الآخرين؟»

فناديت رئيس العمال.

صفحة غير معروفة